في صفعة قضائية وأمنية قاضية أطاحت بأوهام حركة النهضة وقياداتها في العودة إلى الواجهة السياسية أو الإفلات من المساءلة والمحاسبة، أصدرت الدائرة الجنائية لدى محكمة التعقيب “أعلى سلطة قضائية للنقض في تونس” قرارًا باتًا برفض كافة الطعون المرفوعة لديها ضد الأحكام الاستئنافية الصادرة بحق المتورطين من قيادات تنظيم الإخوان المسلمين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ «التآمر على أمن الدولة 2».
وجاء هذا القرار التاريخي ليصادق بشكل نهائي وقاطع على الأحكام الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس، والتي تراوحت بين السجن لثلاث سنوات وصولاً إلى السجن لمدة 35 عامًا مع إخضاع المدانين لمراقبة إدارية صارمة لمدة خمس سنوات كاملة بعد استيفاء العقوبة البدنية.
ويعكس هذا الحكم النهائي إصرار الدولة التونسية ومؤسساتها القضائية على استئصال أذرع التنظيم الإخواني وتفكيك شبكاته الموازية التي حاولت طوال سنوات السيطرة على مفاصل الأمن والقضاء واختراق الأجهزة السيادية لإشاعة الفوضى والانقلاب على الخيارات الدستورية والشعبية والمساس باستقرار البلاد.
إن تثبيت هذه الأحكام الجنائية الحازمة يفتح الصفحة الأخيرة في كتاب تغلغل الحركة الإخوانية داخل أروقة الحكم التونسي والمؤسسات الرسمية، حيث أثبتت التحقيقات الأمنية والقضائية المستفيضة تورط القيادات العليا للنهضة بالتنسيق مع أذرع أمنية ومسؤولين سابقين في إدارة مخططات إجرامية استهدفت ضرب الاستقرار الوطني، وتسهيل الاختراق الاستخباراتي، وتدبير محاولات لاغتيال واستهداف سلامة رئيس الجمهورية قيس سعيد، في مشاهد تفضح العقيدة السريّة للتنظيم وتضعه أمام طائلة العدالة والملاحقة القانونية دون مواربة.
أحكام مشددة وسقوط الرؤوس الكبيرة: السجن 20 عامًا للغنوشي وملاحقة الفارين
وتضمن القرار النهائي لمحكمة التعقيب تأييد العقوبات السجنية الصارمة المفروضة على القيادات السياسية والأمنية الرائدة في الحركة؛ حيث حُكم على رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بالسجن مدة 20 عامًا مع النفاذ، وهي العقوبة ذاتها التي طالت القيادي البارز بالحركة كمال البدوي.
كما أيدت المحكمة سجنًا لمدة 12 عامًا بحق مدير المخابرات التونسية الأسبق محرز الزواري، والقيادي الأمني عبد الكريم العبيدي الذي يُصنف كأحد أخطر عناصر جهاز “الأمن الموازي” التابع لحركة النهضة، بالإضافة إلى صدور أحكام بالسجن لمدة 15 عامًا بحق القياديين الأمنيين فتحي البلدي وسمير الحناشي، لتورطهم المباشر في تسريب الوثائق السيادية وتسهيل تحركات العناصر المشبوهة وتأمين الاتصالات السرية.
وعلى مستوى المتهمين المحالين بحالة فرار والمستفيدين من الملاذات الخارجية، قضت المحكمة غيابيًا بالسجن مدة 35 عامًا مع النفاذ العاجل بحق المستشارة السابقة للرئيس التونسي نادية عكاشة، والقيادات الإخوانية كمال القيزاني، ومعاذ الغنوشي، ولطفي زيتون، ورفيق بوشلاكة، وعبد القادر بن فرحات وآخرين من الفارّين.
وتؤكد هذه الأحكام الصارمة النفاذ العاجل لبلاغات الجلب الدولية الصادرة بحقهم لملاحقتهم عبر الشرطة الدولية “الإنتربول” وضمان عدم فرارهم من العقاب الجنائي المترتب على الانتهاكات المنظمة ضد أمن تونس القومي وسيادتها الوطنية.
جذور مخطط التآمر 2: كواليس فتح التحقيقات بقطب مكافحة الإرهاب
ترجع أصول هذه القضية المفصلية إلى شهر يونيو من عام 2023، عندما فتح مكتب التحقيق التابع لقطب مكافحة الإرهاب بتونس تحقيقات قضائية وأمنية واسعة النطاق إثر رصد واكتشاف “مخطط إخواني جديد” وخطير هدف إلى اختراق مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية.
وركز هذا المخطط الإجرامي على التنسيق المباشر مع عناصر أمنية نافذة ومدنية، من بينهم مستشارون سابقون ومسؤولون استخباراتيون، بهدف تنفيذ انقلاب عسكري وسياسي متكامل وإسقاط الرئيس قيس سعيد، وتسهيل دخول البلاد في حالة من الانفلات الأمني الشامل التي تتيح للإخوان إعادة إنتاج سلطتهم المنهارة والسيطرة على مقدرات الوطن.
وبحسب التفاصيل الموثقة والرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية التونسية عند تفكيك الخلية، تم رصد تهديدات أمنية مؤكدة ومعلومات استخباراتية دقيقة تستهدف السلامة الجسدية لرئيس الدولة وتستهدف منشآت حيوية بالبلاد.
وتورطت في تلك الترتيبات الإجرامية شبكة واسعة من العناصر التابعة للنهضة داخل تونس وخارجها، عملت على التنسيق مع جهات أجنبية وشركات علاقات عامة لإشاعة الفوضى ونشر الشائعات وتقويض ركائز الاستقرار الداخلي، وهي المعطيات التي استند إليها القضاء التونسي في إيقاف المخطط وإحالة ملفاته إلى محاكم مكافحة الإرهاب المتخصصة.
وكشفت التحديثات الحقوقية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعامي 2025 و2026، أن التحقيقات القضائية التونسية في ملفات الجهاز السرّي والتمويل الأجنبي والواجهات المالية لحركة النهضة أفضت إلى التحفظ على أكثر من 150 مؤسسة وجمعية أهلية ومصرفية تورطت في تبييض أموال وضخ أكثر من 200 مليون دولار لتمويل الأنشطة الموازية وزعزعة الاستقرار المالي والأمني.
وتؤكد هذه الأرقام الأممية الموثقة أن ملاحقة القضاء للغنوشي وقيادات التنظيم تشكل خطوة جوهرية لتطبيق سيادة القانون وحماية الانتقال الديمقراطي والمؤسسات الوطنية وتصحيح المسار السياسي.

