بينما يصارع الليبيون من أجل استعادة دولتهم المنهكة من سنوات الانقسام، تبرز في الأفق معركة من نوع آخر لا تقل خطورة عن مواجهات الرصاص؛ إنها معركة العقول والسيطرة على “الوعي الوطني” التي يقودها الصادق الغرياني، مفتي الجماعات المتطرفة، تحت غطاء ديني وأكاديمي، فلم تعد الجرائم تقتصر على فتاوى التحريض التي أزهقت الأرواح لسنوات، بل انتقلت إلى مرحلة “السطو الممنهج” على المؤسسات التعليمية العامة.
حيث فجرت واقعة الاستيلاء على مدرسة ثانوية في منطقة “الفرناج” بطرابلس موجة غضب شعبي عارمة، كشفت عن استراتيجية خبيثة تهدف إلى “أخونة” المجتمع الليبي من القاعدة إلى القمة.
إن تحويل مدرسة حكومية أُنشئت من أموال الشعب لخدمة مئات الطالبات إلى كيان يتبع دار الإفتاء تحت مسمى “مدارس الإمام مالك”، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان صريح عن بدء تنفيذ مشروع “تأميم العقول” وصناعة جيل جديد يدين بالولاء للتنظيمات الأيديولوجية بدلاً من الوطن، مما يضع مستقبل الدولة الليبية المدنية في مهب الريح أمام مرأى ومسمع من السلطات التنفيذية الصامتة.
فتاوى الدم وسجل الجرائم: كيف شرعن الغرياني الفوضى في ليبيا؟
يُعد الصادق الغرياني الرقم الأصعب في معادلة التطرف الليبي منذ عام 2011، حيث لم تتوقف فتاواه عند حد التدخل في السياسة، بل تجاوزتها إلى التحريض المباشر على القتل والاقتتال الأهلي، لقد كانت فتاواه هي “الغطاء الشرعي” لجرائم مليشيات الإخوان والجماعة المقاتلة في بنغازي ودرنة وطرابلس.
حيث دعا صراحة إلى استمرار الحروب ورفض أي توافق وطني قد يؤدي إلى استقرار الدولة، إن أرشيف الغرياني مثقل بالدعوات لتدمير المدن وتهجير السكان، وهي الجرائم التي تراها مصادر بأنها كانت حجر الزاوية في إطالة أمد الأزمة الليبية، واليوم، وبعد أن فشلت لغة الرصاص في فرض السيطرة المطلقة، لجأ الغرياني إلى “القوة الناعمة” المتطرفة، مستغلاً الفوضى الأمنية في العاصمة طرابلس للسيطرة على المناهج والمباني التعليمية، في محاولة لغرس بذور الفكر الإخواني داخل عقول الأطفال والشباب، لضمان استمرارية التنظيم عبر خريجين يتولون لاحقًا مناصب سيادية في الدولة، وهو ما يُعرف بـ “التمكين” من خلال التعليم.
السطو على “الفرناج”: تفاصيل الجريمة التعليمية في قلب طرابلس
في تحول خطير يعكس تغلغل قوى التطرف، فوجئ سكان منطقة الفرناج بطرابلس بتحويل المدرسة الثانوية للبنات، التي استغرق بناؤها أربع سنوات لتخفيف الزحام عن المدارس العامة، إلى مدرسة خاصة تتبع دار الإفتاء، ودون سابق إنذار أو سند قانوني من وزارة التعليم، أصبحت المدرسة خارج إشراف الدولة، لتطبق فيها مناهج وتوجهات فكرية تخدم أجندة الغرياني وحلفائه.
ويرى الأهالي أن هذا الإجراء يمثل سطوًا علنيًا على حقوق أبنائهم في التعليم الحكومي المجاني، وإجباراً لهم على الانخراط في مسار تعليمي بديل قائم على التشدد الأيديولوجي، إن هذه الواقعة لم تكن معزولة، بل هي جزء من سلسلة لقاءات جمعت المفتي بمسؤولين في قطاع التعليم العالي والأساسي، بهدف دمج رؤى الجماعات المتطرفة داخل المناهج الوطنية، مما يهدد بنسف الهوية الليبية الوسطية واستبدالها بخطاب متشدد يرفض الآخر ويكفر الدولة المدنية.
تفريخ الإرهاب: تحذيرات من جيل غير مندمج في الدولة الوطنية
كما يحذر الباحثون في شؤون الجماعات المتطرفة من أن استمرار الغرياني في السيطرة على الكليات الدينية والمدارس العامة سيؤدي بالضرورة إلى ظاهرة “تفريخ الإرهاب” في المستقبل القريب، فالفكر الإخواني يعتمد في بقائه على خلق “مجتمع موازٍ” لا يعترف بسيادة القانون أو بمفهوم الوطن، بل يدين بالولاء “للمرشد” أو “المفتي”.
إن تأميم المدارس لصالح كيانات أيديولوجية يعني إنتاج جيل من الخريجين المحملين بخطاب الكراهية والتحريض، والذين سيصبحون مستقبلاً وقوداً للصراعات المسلحة أو عائقاً أمام أي تسوية سياسية.
ويؤكد الخبراء، أن تجاهل الجهات التنفيذية في طرابلس لهذا التمدد يمثل “جريمة تواطؤ” بحق الأجيال القادمة، حيث يتم رهن مستقبل التعليم الليبي لصالح شخصيات عرفت بتحريضها المستمر ضد الجيش الوطني والبرلمان وكافة المؤسسات الشرعية التي تسعى لاستعادة هيبة الدولة.
غياب الرقابة وتواطؤ السلطة: من يفتح الأبواب أمام “الأخونة”؟
تطرح واقعة مدرسة الفرناج تساؤلات مشروعة حول دور حكومة الوحدة الوطنية ووزارة التعليم في حماية الممتلكات العامة، فكيف يمكن لجهة غير رسمية “دار الإفتاء” أن تضع يدها على مبنى حكومي وتغير مساره التعليمي دون رادع؟ وإن هذا التمدد لم يكن ليحدث لولا “التواطؤ المصلحي” بين بعض القوى المسيطرة في طرابلس وبين تيار الغرياني، الذي يمثل الذراع الدينية لحماية نفوذ بعض المليشيات.
إن تراجع دور الدولة في ضبط المشهد التعليمي يفتح الباب على مصراعيه أمام التنظيمات المتطرفة لإعادة التموضع من جديد بعد أن فقدت شعبيتها في الشارع، ويمثل هذا التغلغل “أخطر أنواع الاحتلال”، لأنه يستهدف المكونات الفكرية للمجتمع، ويجعل من استعادة الدولة الليبية أمرًا مستحيلاً إذا ما تغلغلت هذه الأفكار في مناهج التعليم الابتدائي والثانوي، مما يتطلب انتفاضة قانونية وشعبية لاستعادة هذه المؤسسات من قبضة “إقطاعيات الفتوى”.

