في ظل تصاعد الأزمات الداخلية وتآكل الشرعية السياسية في إيران، برز تحول استراتيجي خطير في العقيدة الأمنية للنظام، حيث انتقل من مرحلة “تصدير الثورة” والمليشيات إلى مرحلة “استدعاء جيوش الظل” من الساحات الخارجية، وعلى رأسها الساحة السورية، لحماية المركز في طهران.
إن هذا الاستنفار العسكري لميليشيات تمرست على القتال والانتهاكات في الجغرافيا السورية لسنوات طويلة، بدأ يرسم ملامح “شبح الفوضى الشاملة” داخل إيران نفسها، حيث لم يعد النظام يثق في قدرة أجهزته الأمنية التقليدية على كبح جماح الغضب الشعبي المتزايد، مما دفعه لاستيراد أدوات القمع العابرة للحدود، هذا التوجه لا يهدد فقط بزيادة وتيرة جرائم الميليشيات المروعة، بل يقود البلاد مباشرة نحو منزلق الحرب الأهلية.
حيث يواجه المواطنون الإيرانيون الآن مسلحين أجانب لا تجمعهم بهم لغة أو ثقافة، بل يجمعهم هدف واحد هو الحفاظ على بقاء النظام مهما كانت التكلفة البشرية، مما يجعل الساحة الإيرانية مرشحة لتكرار السيناريوهات الدامية التي شهدتها مدن سورية مثل حلب وحمص.
جرائم الميليشيات في سوريا.. من القتل الممنهج إلى تصدير أدوات القمع
على مدار العقد الماضي، ارتكبت الميليشيات التابعة لإيران في سوريا سلسلة من الجرائم التي تصنف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت التهجير القسري، والتغيير الديموغرافي، والمجازر الجماعية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري، واليوم يتم نقل هذه الخبرات القمعية إلى الداخل الإيراني، حيث تم رصد وصول دفعات من مقاتلي ميليشيات “فاطميون” و”زينبيون” وحتى عناصر من ميليشيات محلية سورية موالية لإيران إلى المدن الإيرانية المشتعلة بالاحتجاجات.
إن نقل هذه العناصر التي لا تملك أي وازع وطني تجاه الشعب الإيراني يمثل ذروة الاستهتار بالسيادة الوطنية، ويفتح الباب أمام ارتكاب انتهاكات جسيمة بعيدًا عن الرقابة القانونية، إذ تتعامل هذه الميليشيات مع المحتجين الإيرانيين كأعداء في “ساحة معركة” وليس كمواطنين يطالبون بحقوقهم، وهو ما يفسر الوحشية المفرطة في فض الاعتصامات واستخدام السلاح الحي ضد العزل، مما يزيد من احتمالات لجوء المدنيين للدفاع عن أنفسهم وتدحرج كرة النار نحو صدام مسلح شامل.
انهيار استراتيجية “الدفاع المسبق” وتآكل هيبة الدولة الإيرانية
لطالما تذرع الحرس الثوري الإيراني بأن قتاله في سوريا يهدف إلى “الدفاع المسبق” عن الأمن القومي الإيراني ومنع وصول التهديدات إلى حدود طهران، إلا أن استدعاء الميليشيات من سوريا للداخل يثبت فشل هذه النظرية ووصول النظام إلى مرحلة “الدفاع الأخير” عن بقائه.
إن انتشار المسلحين الذين تم تدريبهم في معسكرات “البوكمال” و”السيدة زينب” بدمشق داخل شوارع أصفهان وشيراز وطهران يعكس فقدان النظام للسيطرة المؤسسية، ويظهر تآكلاً حادًا في هيبة الدولة التي باتت تستنجد بـ “الغرباء” لكسر إرادة شعبها، هذه السياسة خلقت حالة من العداء الشديد بين المؤسسة العسكرية التقليدية (الجيش) وبين هذه الميليشيات الدخيلة، مما ينذر بانقسام حاد داخل بنية القوة الإيرانية قد ينفجر في أي لحظة على شكل مواجهات بينية، وهو السيناريو الأقرب لبداية الحروب الأهلية التي تدمر الدول من الداخل، حيث تصبح الميليشيات هي الحاكم الفعلي على حساب القانون والدستور.
مخاطر استدعاء الميليشيات على الأمن القومي والتماسك المجتمعي
يمثل الاعتماد على ميليشيات “الداخل السوري” في إدارة الأزمات الإيرانية خطراً داهماً على التماسك المجتمعي، إذ أن هذه العناصر تم شحنها عقائديًا لسنوات بأنها تحمي “المقدسات”، وعندما يتم إقحامها في صراع سياسي داخلي، فإنها تحوله تلقائيًا إلى صراع صفري يتسم بالعنف الطائفي أو الإيديولوجي المتطرف.
إن جرائم الميليشيات التي وثقتها المنظمات الدولية في سوريا، من تعذيب وتصفية جسدية، بدأت تظهر بوادرها في السجون الإيرانية ومراكز الاعتقال السرية التي يديرها “فيلق القدس” بمساعدة عناصر غير إيرانية، وهذا الوضع يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الإيراني ويهدد بتحويل البلاد إلى “دولة فاشلة” مقسمة بين نفوذ أمراء الحرب والميليشيات، حيث لا يجد المواطن ملاذًا آمنًا يحميه من بطش المسلحين الذين لا يخضعون لأي سلطة قضائية وطنية، مما يجعل خيار الهرب أو المقاومة المسلحة هو البديل الوحيد المتاح أمام الجماهير الغاضبة.
مستقبل إيران في ظل تحول المدن إلى ثكنات عسكرية للمرتزقة
بينما تستمر إيران في استنزاف مواردها المالية لإطعام وتمويل هذه الجيوش الجرارة في سوريا والداخل، يزداد الوضع الاقتصادي سوءًا، مما يغذي نار الغضب الشعبي أكثر فأكثر.
إن استمرار استراتيجية “الاستدعاء” يعني أن النظام قد حسم أمره بتبني الخيار الأمني المطلق ورفض أي إصلاحات سياسية، وهو ما يضع إيران أمام مستقبل مجهول يشبه إلى حد كبير المصير السوري، حيث تتحول المدن إلى ثكنات عسكرية مغلقة وتنتشر نقاط التفتيش التابعة للميليشيات الأجنبية، إن شبح الحرب الأهلية لم يعد مجرد تحذير نظري، بل أصبح حقيقة ميدانية يلمسها الإيرانيون يوميًا مع رؤية طائرات الشحن التي تنقل المقاتلين والعتاد من مطارات دمشق وبيروت إلى مطار الإمام الخميني.
إن النظام الإيراني بمقامرته هذه لا يحمي نفسه، بل يزرع بذور دمار الدولة وتفكيكها، حيث أن الميليشيات التي تُستدعى لحماية العروش غالبًا ما تكون هي أول من ينقلب عليها أو يغرقها في دماء الفوضى الشاملة التي لا تبقي ولا تذر.

