يدخل جنوب لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، وسط نقاش دولي متصاعد حول شكل الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تحل محلها، في وقت يبدو فيه حزب الله أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على الحفاظ على نفوذه العسكري والسياسي في منطقة لطالما شكلت إحدى أبرز ساحات نفوذه، حيث أن المشهد الجديد لا يتعلق فقط بمصير قوة حفظ السلام الأممية، وإنما بإعادة رسم قواعد التعامل مع الجنوب اللبناني، خصوصًا في ظل ضغوط دولية متزايدة لربط أي ترتيبات أمنية جديدة بتعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومنع إعادة بناء القدرات المسلحة خارج مؤسساتها الرسمية.
نهاية اليونيفيل تفتح معركة النفوذ من جديد
ويبحث مجلس الأمن الدولي مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء تفويض «اليونيفيل»، بعدما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات للمرحلة المقبلة، وتتضمن الخيارات المطروحة نشر قوات بأحجام وصلاحيات مختلفة، تبدأ من قوة تضم نحو 5525 عنصرًا تمتد مسؤولياتها على طول الخط الأزرق وصولًا إلى نهر الليطاني، وصولًا إلى خيار أصغر يضم نحو 1980 عنصرًا وتكون مهمته الأساسية المراقبة والاتصال ورفع التقارير، لكن الخلاف لا يتعلق فقط بحجم القوة، بل بطبيعة المهمة نفسها، إذ تتمسك إسرائيل برفض إنشاء بعثة دولية جديدة تشبه «اليونيفيل»، بينما تبحث الولايات المتحدة عن صيغة تربط أي وجود دولي مستقبلي بآلية تحقق ومراقبة أكثر تحديدًا وارتباطًا بتنفيذ الالتزامات الأمنية.
لماذا أصبح حزب الله في قلب المعادلة؟
يرتبط مستقبل الجنوب اللبناني مباشرة بمسألة قدرة الدولة على فرض سيادتها الأمنية، وهي النقطة التي تضع حزب الله أمام ضغوط متزايدة، وبحسب تصريحات مسؤولين نقلتها مصادر إعلامية، فإن الحزب والفصائل المسلحة الأخرى في لبنان يعيدون ترتيب أوضاعهم رغم الخسائر التي تكبدوها خلال المواجهات السابقة، مع استمرار رغبتهم في الحفاظ على تأثير سياسي وأمني داخل البلاد، وهنا تظهر المعضلة الأساسية؛ فوجود ترتيبات أمنية دولية جديدة لن يكون ذا جدوى إذا ظل السلاح خارج سيطرة الدولة قادرًا على فرض قواعد موازية أو التأثير في القرار الأمني اللبناني.
واشنطن ترفض تكرار تجربة «اليونيفيل»
كما إن الموقف الأمريكي يبدو أكثر تشددًا تجاه فكرة إنشاء بعثة جديدة بلا أهداف واضحة أو سقف زمني محدد، ووفق مصادر مطلعة على الموقف الأمريكي، فإن واشنطن لا تريد استبدال «اليونيفيل» بقوة أصغر تؤدي الدور نفسه دون تغيير جوهري في آليات العمل، وإنما تسعى إلى ترتيبات ترتبط بصورة مباشرة بأهداف أمنية محددة، وتشير هذه الرؤية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا من نموذج حفظ السلام التقليدي إلى نموذج أكثر تركيزًا على التحقق من الالتزامات ومراقبة تنفيذها، وهذا التحول يمثل تحديًا لحزب الله، لأن تقليص المساحات الرمادية التي سمحت سابقًا بتداخل الأدوار بين الدولة والقوى المسلحة يمكن أن يضع نفوذه الأمني تحت رقابة أكبر.
اليونيفيل
ومن بين السيناريوهات المطروحة تشكيل قوة تحقق ومراقبة من دولة ثالثة، على أن تعمل وفق إطار دولي واضح، مع طرح أسماء دول للمشاركة في هذه المهمة، وتبرز إيطاليا ضمن الدول التي يجرى بحث إمكانية مشاركتها، في ظل مساهمتها السابقة في قوات «اليونيفيل» وعلاقاتها الأمنية والدبلوماسية مع لبنان ولا يعني هذا السيناريو بالضرورة إعادة إنتاج «اليونيفيل» بصورة جديدة، بل قد يمثل محاولة لتقديم نموذج مختلف يقوم على مهمة محددة وصلاحيات أكثر وضوحًا وارتباطًا بتنفيذ التزامات الأطراف.
الدولة اللبنانية أمام اختبار السيادة
ويمثل التحول المرتقب فرصة أمام الدولة اللبنانية لإعادة تثبيت موقعها باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الملف الأمني لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من وجود قوة دولية، لأن نجاح أي ترتيبات جديدة سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ التزاماتها ومنع عودة مظاهر السلاح غير المنضبط.
وفي هذا السياق، يصبح ملف حزب الله جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية، خصوصًا أن استمرار وجود قوة مسلحة خارج الإطار الرسمي يضعف قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات أمنية مستقلة ويعقد أي محاولة لبناء استراتيجية دفاع وطنية موحدة وتبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، بدءًا من تشكيل قوة تحقق ومراقبة محدودة، مرورًا بإعادة توزيع بعض مهام «اليونيفيل» على مؤسسات الأمم المتحدة السياسية، وصولًا إلى إنهاء الوجود العسكري الدولي بصورة أوسع لكن القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات هو أن الجنوب اللبناني لم يعد قابلًا للعودة بسهولة إلى المعادلات التي سبقت المواجهات الأخيرة.
وبالنسبة إلى حزب الله، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وإنما في تغير البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بملف سلاحه ونفوذه، فكلما أصبحت الرقابة أكثر وضوحًا، والتمويل والحركة العسكرية أكثر عرضة للتدقيق، وربط المجتمع الدولي أي ترتيبات أمنية جديدة بتعزيز مؤسسات الدولة، تقلصت المساحات التي يمكن من خلالها إعادة إنتاج النفوذ العسكري خارج الإطار الرسمي.
الجنوب أمام معادلة جديدة
وتكشف التطورات أن مرحلة ما بعد «اليونيفيل» قد تكون بداية لإعادة صياغة كاملة للمعادلة الأمنية في لبنان، وليس مجرد تغيير في اسم القوة الموجودة على الأرض فالمطلوب دوليًا يبدو مرتبطًا بإيجاد آلية أكثر فاعلية لضمان تنفيذ الالتزامات الأمنية، بينما تحتاج بيروت إلى تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لاستعادة زمام المبادرة وترسيخ احتكار الدولة للسلاح.

