بين ردهات المحاكم التونسية وصرخات الشارع المطالب بالمحاسبة، يقف تنظيم الإخوان المسلمين “حركة النهضة” اليوم أمام لحظة الحقيقة التي طال انتظارها لأكثر من عقد من الزمان، فالمسألة لم تعد مجرد صراع سياسي على السلطة أو اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الدولة، بل تحولت إلى ملف جنائي وطني مثقل باتهامات “الخيانة العظمى” والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي..
وقالت مصادر: إن ما يشهده القضاء التونسي في عام 2026 ليس مجرد محاكمات لرموز سياسية، بل هو تفكيك لتركة ثقيلة من “الغرف المظلمة” والعمليات السرية التي استهدفت ضرب مؤسسات الدولة في مقتل.
حيث أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن بقوة على طاولة القرار في قصر قرطاج وفي أذهان التونسيين: هل تنجح الدولة في إغلاق هذا الملف بقرارات قضائية نهائية تقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة “المتاجرة بالأوهام” واستغلال الأزمات الاجتماعية لتأجيج الأوضاع مجددًا؟
إن الإجابة تكمن في تفاصيل الملفات التي فُتحت ولم تُغلق بعد، والتي تكشف عن شبكة معقدة من المصالح والارتباطات العابرة للحدود التي استهدفت سيادة تونس واستقلال قرارها الوطني.
الجهاز السري والاغتيالات: الأذرع المسلحة التي هزت أمن الوطن
لا يمكن الحديث عن جرائم الإخوان في تونس دون العودة إلى “الملف الأم” وهو الجهاز السري التابع لحركة النهضة، هذا الكيان الموازي الذي تشكل في الخفاء ليكون أداة للسيطرة والتصفية والترهيب.
وتؤكد التقارير القضائية والتحقيقات المستمرة، أن هذا الجهاز تورط بشكل مباشر في عمليات الاغتيال السياسي التي هزت وجدان الشعب التونسي، وعلى رأسها اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
إن كشف طلاسم هذا الجهاز لم يكن سهلاً، إذ اعتمد التنظيم على شبكات استخباراتية داخلية واخترق مفاصل أمنية حساسة خلال “العشرية السوداء”، مما مكنه من طمس الأدلة لسنوات طويلة، إلا أن الإرادة السياسية الجديدة والقضاء المستقل نجحا مؤخراً في استعادة الوثائق المفقودة وفتح الصناديق السوداء التي تثبت تورط قيادات الصف الأول في التحريض والتخطيط، مما جعل ملف “الجهاز السري” يمثل الركيزة الأساسية في اتهام التنظيم بممارسة الإرهاب المنظم تحت غطاء العمل السياسي المدني.
ملف التسفير والتمويل الأجنبي: المتاجرة بالشباب وبسيادة الدولة
تعتبر قضية “تسفير الشباب لبؤر التوتر” واحدة من أبشع الجرائم التي نُسبت لتنظيم الإخوان في تونس، حيث تحولت البلاد خلال فترة حكمهم إلى خزان بشري لتزويد التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق بالمقاتلين.
وتكشف التحقيقات الجارية، أن عمليات التسفير لم تكن مجرد مبادرات فردية، بل كانت عملية “ممنهجة” حظيت بتسهيلات إدارية وأمنية ولوجستية.
وفي سياق متصل، يبرز ملف “التمويل الأجنبي” كأحد أخطر التحديات التي واجهت السيادة التونسية، حيث تدفقت مئات الملايين من العملات الصعبة تحت ستار الجمعيات الخيرية والمنظمات التنموية، بينما كانت تذهب في الواقع لتمويل الأنشطة السياسية والحملات الانتخابية وشراء الذمم.
إن هذا الضخ المالي المشبوه لم يهدف فقط لتمكين الإخوان، بل كان جزءًا من “عقد ارتهان” للقوى الخارجية التي سعت لاستخدام تونس كمنصة لتنفيذ أجندات إقليمية، وهو ما يفسر حدة الخطاب الرسمي الحالي للرئيس قيس سعيد تجاه ما وصفه بـ “البرامج مدفوعة الأجر” التي تنفذها أطراف في الداخل لصالح قوى في الخارج.
التآمر على أمن الدولة: الاستقواء بالخارج كخيار أخير للتنظيم
مع تضييق الخناق القضائي والشعبي، لجأ تنظيم الإخوان وحلفاؤه في “جبهة الخلاص” إلى استراتيجية “الاستقواء بالخارج” في محاولة يائسة لتدويل الأزمة الداخلية، وتمثل ملف “التآمر على أمن الدولة” في ضبط اتصالات ولقاءات سرية بين قيادات إخوانية ودبلوماسيين وجهات أجنبية، تهدف إلى التحريض ضد الدولة التونسية والمطالبة بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها.
إن هذه التحركات التي وصفتها الأوساط الشعبية بـ “الخيانة العظمى” لم تكن تهدف للمطالبة بالحريات كما يزعم التنظيم، بل كانت تسعى لخلق ضغط دولي يجبر السلطة على العفو عن المدانين في قضايا إرهابية وفساد.
وأشارت المصادر إلى أن مداخلات بعض المحامين والحقوقيين الموالين للتنظيم أمام البرلمان الأوروبي ليست إلا جزءاً من هذه الخطة الممنهجة لتشويه صورة تونس، وهو ما واجهته الرئاسة التونسية بخطاب سيادي صارم يؤكد أن القضاء هو الوحيد المخول بحسم هذه الملفات بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
الحصار القضائي ومستقبل المحاسبة: هل اقتربت لحظة الحظر الرسمي؟
يواجه التنظيم اليوم حصارًا قانونيًا غير مسبوق، تمثل في صدور أحكام سجن ثقيلة بحق قيادات تاريخية مثل راشد الغنوشي وعلي العريض، هذه الأحكام التي جاءت في قضايا تتعلق بالتمويل غير المشروع والإساءة لأمن الدولة، تعكس رغبة مؤسسات الدولة في إنهاء حقبة “الإفلات من العقاب”، وتتصاعد الدعوات داخل البرلمان التونسي ومن المنظمات المدنية بضرورة “حظر تنظيم الإخوان” وتصنيفه جماعة إرهابية بناءً على الجرائم الموثقة في ملفات الاغتيالات والجهاز السري.
إن استكمال هذه المسارات القضائية يعني عمليًا تجفيف منابع الفكر المتطرف والفساد السياسي الذي تغلغل في مفاصل الدولة، ويؤكد الرئيس قيس سعيد في كل لقاءاته أن الشعب التونسي هو “المخول الوحيد لتفكيك الدوائر المفرغة”، في إشارة واضحة إلى أن المحاسبة ليست تصفية حسابات شخصية، بل هي ضرورة وطنية لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وبناء مستقبل يقوم على القانون والسيادة.

