تواجه الدولة التونسية في المرحلة الراهنة واحداً من أعقد التحديات الاقتصادية والسيادية في تاريخها الحديث، وهو ما يمكن توصيفه بـ”عجز العجز” في الميزان الطاقي، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على وجود فجوة بين الإنتاج والاستهلاك، بل تحول إلى تدهور متسارع يفوق قدرة الخطط الحكومية على الاحتواء.
وقالت مصادر إن هذا العجز الهيكلي بات يمثل المحرك الأساسي للاضطرابات المالية في البلاد، حيث تلتهم فاتورة استيراد المحروقات والغاز الطبيعي الجزء الأكبر من احتياطيات العملة الصعبة، مما يضع القرار الوطني تحت ضغوط خارجية مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وشروط الممولين الدوليين، وسط تساؤلات ملحة حول مدى قدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة قبل الوصول إلى نقطة الانهيار الشامل في منظومة الإمدادات الأساسية.
تشريح الأزمة: تآكل الإنتاج وانفجار الطلب
تكمن جذور المعضلة الطاقية في تونس في التراجع الحاد والمستمر لمواردها التقليدية من النفط والغاز، حيث شهدت الحقول الكبرى نضوباً طبيعياً لم تواكبه اكتشافات جديدة وازنة قادرة على تعويض الفارق.
إن سياسة الدولة في قطاع الاستكشاف والإنتاج واجهت عقبات بيروقراطية وقانونية واحتجاجات اجتماعية متكررة في مناطق الإنتاج، مما أدى إلى عزوف الشركات العالمية عن الاستثمار في “المجلة الطاقية” التونسية.
وفي المقابل، نجد انفجاراً غير منضبط في فاتورة الاستهلاك المحلي، مدفوعاً بنمط حياة يعتمد بشكل مفرط على الطاقة المدعومة، وزيادة الطلب الصناعي والمنزلي، وهو ما خلق فجوة طاقية تجاوزت في بعض الفترات نسبة 50% من احتياجات البلاد، مما دفع الدولة إلى الارتهان الكامل للاستيراد لسد الرمق الطاقي اليومي.
التبعات المالية: نزيف العملة الصعبة وتفاقم المديونية
إن الانعكاس المباشر لعجز الميزان الطاقي يظهر بوضوح في الميزان التجاري التونسي، حيث أصبحت المحروقات هي الثقب الأسود الذي يبتلع المكاسب المحدودة من قطاعي السياحة والفسفات، فعندما ترتفع أسعار النفط عالمياً، تجد الموازنة التونسية نفسها أمام معضلة مضاعفة؛ فمن جهة تزداد كلفة التزويد بالعملة الصعبة، ومن جهة أخرى يرتفع حجم الدعم الذي تقدمه الدولة للمحروقات والكهرباء للحفاظ على السلم الاجتماعي.
هذا الوضع أدى إلى اختلال التوازنات المالية الكبرى، حيث تضطر الدولة إلى الاقتراض الخارجي الموجه للاستهلاك، لا للاستثمار، وهو ما يغذي حلقة مفرغة من المديونية التي لا تولد ثروة، بل تكتفي بإبقاء المصابيح مضاءة في المدن التونسية بكلفة اقتصادية باهظة ومستنزفة للمستقبل.
المأزق الهيكلي: عجز الشركة التونسية للكهرباء والغاز
تُعتبر “الشركة التونسية للكهرباء والغاز” (الستاغ) هي المرآة العاكسة لهذا العجز المركب، حيث تعاني المؤسسة من أزمة سيولة خانقة ناتجة عن الفارق بين كلفة الإنتاج الباهظة وسعر البيع المدعوم، بالإضافة إلى تنامي ظاهرة عدم استخلاص الفواتير والربط العشوائي.
إن ارتهان إنتاج الكهرباء في تونس للغاز الطبيعي بنسبة تتجاوز 90%، واستيراد جزء كبير من هذا الغاز من الجارة الجزائر أو عبر الإتاوة على أنبوب العبور، يجعل الأمن الطاقي التونسي مرتبطاً بتفاهمات إقليمية وتحولات جيوسياسية دقيقة.
هذا الارتهان يحد من قدرة الدولة على المناورة السياسية والاقتصادية، ويجعل من أي اضطراب في سلاسل التوريد أو تغير في شروط التعاقد تهديداً مباشراً لاستمرارية المرافق العامة والنشاط الصناعي في البلاد.
الانتقال الطاقي: بين الوعود النظرية والمعوقات الواقعية
رغم الحديث المتكرر عن “الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي” التي تهدف إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 35% بحلول عام 2030، إلا أن الواقع يشير إلى بطء شديد في التنفيذ.
إن المعوقات ليست تقنية فحسب، بل هي تشريعية ونقابية بالأساس، حيث يواجه فتح قطاع إنتاج الكهرباء للخواص والشركات الدولية معارضة شرسة من الأطراف النقابية التي تخشى خصخصة القطاع.
هذا التأخير في التحول نحو الطاقة الشمسية والرياح، رغم الإمكانيات الطبيعية الهائلة لتونس، فاقم من وضعية “عجز العجز”، إذ ضاعت سنوات ثمينة كان يمكن فيها تقليل الاعتماد على الغاز المستورد، مما جعل تونس تظل أسيرة الوقود الأحفوري في زمن يشهد فيه العالم تحولاً طاقياً جذرياً وشاملاً.
إن استعادة السيطرة على فاتورة الاستهلاك الطاقي في تونس تتطلب شجاعة سياسية تتجاوز الحلول الأمنية أو القروض العاجلة، بل تستوجب ثورة في التشريعات الطاقية وتغييراً جذرياً في ثقافة الاستهلاك.
ولا يمكن لتونس الخروج من هذه المعضلة دون إطلاق حقيقي للمشاريع الكبرى في الطاقات البديلة، وتحديث البنية التحتية للنقل الطاقي، ومراجعة سياسة الدعم لتوجيهه لمستحقيه الفعليين دون الإضرار بالفئات الضعيفة، وإن الأمن الطاقي هو العمود الفقري للسيادة الوطنية، والاستمرار في نهج “عجز العجز” يعني المضي قدماً نحو فقدان الاستقلال الاقتصادي، مما يجعل من إصلاح هذا القطاع ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل أو المحاصصة السياسية، حفاظاً على مستقبل الأجيال القادمة في دولة مستقلة طاقياً.

