يعيش لبنان منذ عقود تحت وطأة ازدواجية السلطة، حيث تتصارع شرعية الدولة مع سطوة السلاح غير الشرعي الذي يمتلكه حزب الله، وهو ما أدى بمرور الوقت إلى تحويل البلاد من “سويسرا الشرق” إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ومسرح للأزمات الكبرى التي عصفت بكيان الدولة ومؤسساتها.
وقالت مصادر إن الجرائم المنسوبة للحزب لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل تقويض الدستور، وتعطيل القضاء، والسيطرة على المرافق الحيوية، مما جعل الدولة اللبنانية مجرد واجهة لهيكل تنظيمي يأتمر بأوامر خارجية، وهو ما تجلى بوضوح في سلسلة من الأحداث الدامية التي بدأت بالاغتيالات السياسية ولم تنتهِ عند حدود تفجير مرفأ بيروت أو إقحام البلاد في حروب عبثية لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.
تعطيل العدالة وملف تفجير مرفأ بيروت
تُعد كارثة تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ لبنان الحديث، حيث لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل نتيجة لسنوات من الإهمال والسيطرة الأمنية الميليشياوية على مرافق الدولة الحيوية.
تشير تقارير حقوقية وأمنية إلى أن حزب الله فرض نفوذاً واسعاً على المرفأ، مما سمح بمرور مواد خطرة دون رقابة فعلية من الأجهزة الرسمية، وعندما حاول القضاء اللبناني، ممثلاً بالقاضي طارق البيطار، الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات، واجه حملة ترهيب غير مسبوقة من قيادات الحزب.
وإن التهديدات العلنية التي وجهها وفيق صفا، المسؤول الأمني في الحزب، للمحقق العدلي، كانت بمثابة إعلان صريح عن رغبة الحزب في طمس الحقيقة وحماية المسؤولين عن تخزين “نترات الأمونيوم” التي دمرت العاصمة، مما جعل عرقلة العدالة في هذا الملف جريمة كبرى تُضاف إلى سجل الحزب الحافل بالانتهاكات ضد الشعب اللبناني.
الاغتيالات السياسية وتصفية المعارضين
لا يمكن الحديث عن جرائم حزب الله دون العودة إلى مسلسل الاغتيالات الذي استهدف قادة الفكر والسياسة في لبنان، والذين كان قاسمهم المشترك هو معارضة المشروع الإيراني في المنطقة والمطالبة بسيادة الدولة.
حيث بدأت هذه الحقبة الدامية باغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، وهي الجريمة التي أدانت فيها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عناصر ينتمون رسمياً للحزب، وعلى رأسهم سليم عياش. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت يد الغدر لتطال الصحفيين والمفكرين مثل سمير قصير وجبران تويني، وصولاً إلى لقمان سليم الذي قُتل بدم بارد في معقل نفوذ الحزب بالجنوب.
هذه السياسة الممنهجة في تصفية الخصوم خلقت جواً من الإرهاب الفكري والسياسي، حيث أصبح كل من يرفع صوته ضد هيمنة السلاح مهدداً في حياته، مما أفرغ الساحة السياسية من المعارضة الحقيقية وكرّس سلطة الأمر الواقع.
حرب الجنوب والمغامرات غير المحسوبة
في كل مرة يحاول فيها لبنان التقاط أنفاسه اقتصادياً، يجد نفسه مدفوعاً نحو مواجهات عسكرية غير متكافئة بقرار منفرد من حزب الله، دون العودة إلى الحكومة أو المؤسسات الدستورية.
وإن إقحام جنوب لبنان في حروب “إشغال” أو نزاعات إقليمية لا تخدم سوى الأجندات الخارجية، أدى إلى تدمير البنية التحتية، ونزوح مئات الآلاف من المواطنين، وانهيار القطاع الزراعي في القرى الحدودية.
هذه المغامرات العسكرية لا تكتفي باستنزاف موارد الدولة المتهالكة أصلاً، بل تعطي الذريعة للاحتلال الإسرائيلي لتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، بينما يقف الجيش اللبناني مكبل اليدين بسبب الترتيبات الميدانية التي يفرضها الحزب، وهو ما يُعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وضرباً لقرار الحرب والسلم الذي يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.
الانهيار الاقتصادي وشبكات التهريب
تجاوزت جرائم حزب الله الجانب الأمني لتصل إلى صلب لقمة عيش اللبنانيين، حيث أسهم الحزب، عبر سيطرته على المعابر غير الشرعية، في تدمير الاقتصاد الوطني.
وإن عمليات التهريب الممنهجة للسلع المدعومة والمحروقات عبر الحدود السورية، وتبييض الأموال عبر شبكات دولية، أدت إلى استنزاف احتياطات المصرف المركزي وتدهور قيمة الليرة اللبنانية بشكل دراماتيكي. علاوة على ذلك، تسبب الحزب في عزل لبنان عن محيطه العربي، خاصة دول الخليج، التي كانت تمثل الرئة الاقتصادية للبلاد، وذلك بسبب تدخلاته العسكرية في اليمن وسوريا وتصدير المواد المخدرة، مما حرم لبنان من استثمارات ومساعدات بمليارات الدولارات كانت كفيلة بمنع الانهيار الاقتصادي الشامل الذي نعيشه اليوم.
مستقبل السيادة اللبنانية
إن رصد جرائم حزب الله في لبنان يكشف عن مخطط ممنهج لاستبدال مؤسسات الدولة بكيانات موازية تضمن ولاءً أيديولوجياً وطائفياً على حساب الهوية الوطنية الجامعة. فمن تفجير المرفأ وتغييب العدالة، إلى الاغتيالات واختطاف قرار الحرب، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام خيار وحيد، وهو استعادة الدولة لسيادتها الكاملة وتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1559 والقرار 1701. وبدون نزع السلاح غير الشرعي وحصر السلطة الأمنية بيد الجيش اللبناني، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات والدمار، ولن تكتمل نهضة البلاد إلا بمحاسبة كل من تسبب في نزيف الدماء والمال، وإعادة الاعتبار لهيبة القانون فوق أي انتماء حزبي أو خارجي.

