لم يكن أشد المتفائلين فيتونس قبل سنوات يتوقع أن يرى “هرم” حركة النهضة، راشد الغنوشي، يقبع خلف القضبان محكومًا بعقود من السجن، بينما تتساقط أوراق تنظيمه واحدة تلو الأخرى تحت ضربات مطرقة القضاء الوطني.
اليوم، تعيش تونس مرحلة مفصلية تتجاوز مجرد صدور أحكام قضائية، لتصل إلى رسم ملامح “ما بعد راشد الغنوشي”، حيث يبدو أن التنظيم الذي سيطر على مفاصل الدولة لعشرية كاملة قد دخل نفق العزلة السياسية والشلل الميداني الذي لا رجعة فيه.
إن المشهد التونسي في أبريل 2026 لا يتحدث عن “أزمة سياسية” عابرة، بل عن عملية استئصال قانوني ودستوري لتنظيم استغل الديمقراطية للهيمنة على المؤسسات، لتجد الحركة نفسها اليوم محاصرة بملفات ثقيلة تتراوح بين التآمر على أمن الدولة، وتبييض الأموال، والارتباط بجماعات العنف الإرهابية، مما يجعل سيناريو “الاختفاء الكامل” من المشهد العام هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا وسط تأييد شعبي واسع لاستعادة هيبة الدولة وتطهير مسارها من شوائب “الإسلام السياسي”.
زلزال القضاء: أحكام مشددة تنهي أسطورة الغنوشي ورفاقه
شهد شهر أبريل الجاري تطورات قضائية غير مسبوقة، حيث أصدر القضاء التونسي أحكامًا بالسجن لمدة 20 عامًا بحق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وعدد من قيادات الصف الأول مثل رفيق عبد السلام ويوسف النوري، وهي الأحكام التي جاءت لتسدل الستار على قضايا معقدة ظلت لسنوات محل جدل واسع.
هذه الأحكام لم تكن مجرد عقوبات سالبة للحرية، بل كانت بمثابة إدانة تاريخية لممارسات التنظيم الدولي للإخوان على الأراضي التونسية، خاصة في قضية “التآمر على أمن الدولة” التي كشفت خيوطًا سرية لمحاولات زعزعة استقرار البلاد.
إن صدور أحكام بالسجن 14 عامًا ضد حلفاء التنظيم، مثل خيام التركي في قضايا غسل الأموال، يؤكد أن الدولة التونسية قررت خوض المعركة إلى نهايتها، عبر تفكيك الشبكة العنكبوتية التي تربط بين المال السياسي والولاءات التنظيمية العابرة للحدود؛ مما أدى إلى فقدان التنظيم لغطائه السياسي والقانوني الذي احتمى به طويلاً للإفلات من المحاسبة.
تجفيف منابع التمويل: الضربة القاضية لأذرع الإخوان المالية
بالتوازي مع المسار القضائي الجنائي، تتحرك الدولة التونسية في مسار تشريعي لا يقل خطورة، يهدف إلى تجفيف المنابع المالية التي كانت تغذي أنشطة الإخوان تحت غطاء الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية.
إن مناقشة مقترح “قانون تنظيم الجمعيات” الجديد داخل البرلمان التونسي يمثل الركيزة الأساسية لمنع تدفق التمويلات المشبوهة من الخارج، والتي كانت تُستخدم لشراء الولاءات وضمان التعبئة الميدانية في الأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة.
وقالت مصادر: إن تجميد الأرصدة المالية لحركة النهضة ولقياداتها البارزة، مع استمرار غلق المقرات المركزية والفرعية، قد أدى إلى “شلل عضوي” في قدرة التنظيم على الحركة، حيث لم تعد الحركة قادرة على تمويل احتجاجاتها أو استئجار الحشود، مما كشف عن حقيقة حجمها الشعبي المتآكل بعيدًا عن المال السياسي، وهو ما يفسر فشل كافة الدعوات الاحتجاجية الأخيرة التي أطلقها ما تبقى من فلول التنظيم في الشارع التونسي.
تطهير الجبال: القصاص من إرهاب “أجناد الخلافة” الموالي لداعش
لم تكن معركة تونس مع الإخوان بعيدة عن معركتها الكبرى ضد الإرهاب المسلح، حيث جاء حكم الإعدام بحق 15 عنصرًا من “كتيبة أجناد الخلافة” ليعزز الثقة في قدرة الدولة على الحسم الأمني.
هذه العناصر، التي تورطت في جرائم وحشية شملت ذبح الرعاة واستهداف دوريات الحرس الوطني بالمتفجرات في جبال الشعانبي والمغيلة، كانت تمثل الذراع العسكري للفكر المتطرف الذي وجد في مناخ “التساهل” الإخواني بيئة خصبة للنمو خلال العشرية الماضية.
إن الربط بين تصفية الخلايا الإرهابية ميدانيًا ومحاسبة الرؤوس السياسية قانونيًا يمثل استراتيجية “الردع الشامل” التي تنتهجها تونس حاليًا، لتؤكد للعالم أن الجمهورية الجديدة لن تقبل بوجود أي تنظيم يرفع السلاح أو يحرض عليه، وأن دماء الأمنيين والعسكريين والمدنيين الذين سقطوا في غدر الإرهاب لن تذهب سدى، بل كانت الوقود الذي أشعل شرارة التحرير الوطني من قبضة التنظيمات الظلامية.

