ذات صلة

جمع

وصفات طبيعية لبشرة أكثر إشراقًا.. كيف تستعيد منطقة العين نضارتها؟

تعد منطقة ما حول العين من أكثر مناطق الوجه...

التخصيب على حافة الانفجار.. ضغوط أميركية وتصعيد إيراني بلا تراجع

عاد ملف تخصيب اليورانيوم إلى صدارة المشهد الدولي مجددًا،...

تبادل الأسرى.. هل تفتح باب الدبلوماسية بين موسكو وكييف؟

في مشهد يندر تكراره وسط أزيز الرصاص واحتدام المعارك...

موازنة تونس 2027.. هل تنجح مراجعة منظومة الدعم في حماية الفئات الهشة من شبح الغلاء؟

تدخل تونس واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية في تاريخها الحديث، مع شروع الحكومة في رسم ملامح موازنة 2027 التي تحمل بين بنودها إصلاحات ثقيلة تمس صميم الحياة اليومية للمواطن، وعلى رأسها مراجعة منظومة الدعم.

ففي وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطًا غير مسبوقة بسبب تصاعد الديون وارتفاع كلفة الإنفاق، تجد الدولة نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تقلص عبء الدعم دون أن تدفع الفئات الهشة والطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر؟

هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش اقتصادي داخل أروقة الحكومة، بل تحول إلى هاجس يومي لدى الشارع التونسي، خاصة مع تصاعد المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تفرضها أي خطوة نحو تحرير أسعار المحروقات والكهرباء والمواد الأساسية.

مراجعة منظومة الدعم في تونس.. لماذا أصبح الإصلاح حتميًا؟

وضعت الحكومة التونسية مراجعة منظومة الدعم ضمن أولويات مشروع موازنة الدولة لسنة 2027، في إطار خطة تستهدف إعادة توجيه الموارد العمومية وتحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي، بعد سنوات من استمرار نموذج الدعم الشامل الذي كان يستفيد منه الجميع دون تمييز.

ويقوم التوجه الحكومي الجديد على الانتقال من الدعم العشوائي إلى الدعم الموجه، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات محدودة الدخل بدل استمرار نزيف الأموال داخل منظومة لم تعد تحقق العدالة المطلوبة.

وتكشف الأرقام حجم الضغط الكبير؛ إذ بلغت نفقات الدعم في تونس خلال 2026 نحو 9.7 مليار دينار، أي ما يقارب 19% من إجمالي الميزانية، وهي نسبة باتت تمثل عبئًا ثقيلًا على خزينة الدولة في ظل تنامي كلفة خدمة الدين وتراجع هامش المناورة المالية.

وبالتالي، فإن تقليص هذا العبء لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح جزءًا من خطة إنقاذ مالية أوسع تسعى الحكومة إلى تنفيذها بداية من العام المقبل.

شبح التضخم يهدد التونسيين.. ماذا يحدث إذا رُفع الدعم؟

رغم وجاهة الإصلاح من الناحية المالية، إلا أن التحدي الأكبر لا يكمن في القرار نفسه، بل في تداعياته الاجتماعية المباشرة.

فأي تعديل في أسعار المحروقات أو الكهرباء سينعكس تلقائيًا على كلفة النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما يعني عمليًا ارتفاعًا متسلسلًا في أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق.

ومع تسجيل التضخم مستويات تقارب 5% خلال الأشهر الأخيرة، واستمرار البطالة فوق 15%، تبدو قدرة الأسر التونسية على تحمل صدمات سعرية جديدة محدودة للغاية، خصوصًا لدى الشرائح التي تعيش أصلًا تحت ضغط القدرة الشرائية المتآكلة.

ويرى مراقبون أن الخطر الحقيقي يتمثل في أن تتحول مراجعة الدعم من إصلاح مالي مطلوب إلى عبء اجتماعي واسع إذا لم تُرفق بآليات تعويض واضحة وسريعة.

لذلك، فإن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهونًا بقدرة الدولة على بناء شبكة حماية اجتماعية فعالة قبل تحرير الأسعار، لا بعده.

موازنة تونس 2027.. سياسة تقشف تبدأ من مؤسسات الدولة

لا تقف ملامح مشروع موازنة 2027 عند مراجعة الدعم فقط، بل تمتد أيضًا إلى فرض انضباط صارم على نفقات الإدارة العمومية.

فالحكومة اقترحت ضبط نسبة نمو نفقات التسيير في حدود 3% كحد أقصى مقارنة بسنة 2026، مع إلزام الوزارات والهياكل العمومية بوضع برامج لترشيد استهلاك الطاقة والمياه والمحروقات.

وتعكس هذه الإجراءات رسالة سياسية واضحة مفادها أن سياسة شد الأحزمة لن تكون موجهة للمواطن وحده، بل ستبدأ من أجهزة الدولة نفسها.

كما تشمل الخطة مراجعة ملفات أخرى لا تقل حساسية، مثل الضمان الاجتماعي والصحة العمومية، في محاولة لإعادة صياغة منظومة الحماية الاجتماعية بشكل أكثر استدامة وقدرة على استيعاب الضغوط القادمة.

هذا التوجه يفتح الباب أيضًا أمام تسريع التحول الرقمي داخل الإدارة وتقليص المصاريف التشغيلية، وهي رهانات تعتبرها الحكومة جزءًا من الحل لا مجرد تفاصيل إدارية.

الفئات الهشة في تونس.. من يحميها من موجة الأسعار؟

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من سيدفع الثمن الفعلي لهذا الإصلاح؟

فعلى الورق، تؤكد الحكومة أنها ماضية في دعم محدودي الدخل والطبقة الوسطى، لكن التجارب السابقة في عدد من الدول أظهرت أن رفع الدعم دون تعويضات نقدية كافية يؤدي غالبًا إلى اتساع رقعة الفقر وارتفاع الاحتقان الاجتماعي.

وفي الحالة التونسية، تبدو الفئات الهشة الأكثر عرضة للخطر، لأن أي زيادة في أسعار النقل أو الخبز أو الطاقة ستلتهم جزءًا مباشرًا من دخلها الشهري، في وقت لم تستعد فيه السوق بعد قدرتها على خلق وظائف كافية أو رفع الأجور بما يواكب التضخم.

ولهذا، فإن نجاح مراجعة منظومة الدعم لن يُقاس فقط بمدى تقليص النفقات داخل الميزانية، بل بقدرة الدولة على منع انزلاق مئات الآلاف من الأسر نحو مزيد من الهشاشة الاقتصادية.

هل تنجح تونس في كسب رهان الإصلاح؟

الاقتصاد التونسي يسجل نموًا حذرًا يتراوح بين 2 و3%، لكنه يظل نموًا غير كافٍ لتغطية فاتورة الإصلاحات الكبرى أو امتصاص البطالة المرتفعة.

ومن هنا، تبدو موازنة 2027 أشبه باختبار سياسي واجتماعي بقدر ما هي اختبار مالي.

فالحكومة مطالبة اليوم بأن تحقق هدفين متناقضين في آن واحد: إنقاذ المالية العمومية من نزيف الدعم، وحماية المواطن من موجة غلاء قد تكون الأقسى منذ سنوات.

وبين هذين الهدفين، ستحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت تونس قادرة على تحويل الدعم من عبء مزمن على الميزانية إلى أداة أكثر عدالة، أم أن شبح التضخم سيبتلع سريعًا كل وعود الإصلاح.