كشفت التطورات الأخيرة في مدينة بورتسودان، المقر المؤقت للسلطة التابعة للجيش السوداني، عن قرار إداري أثار موجة من القلق الدولي والمحلي.
حيث أصدر قائد الجيش عبد الفتاح البرهان توجيهًا مباشرًا يقضي بإغلاق باب المنافسة أمام الشركات الخاصة في مناقصات استيراد غاز الكلور، وحصر هذه العملية بالكامل في يد “منظومة الصناعات الدفاعية”.
هذا الإجراء، الذي بدأ كعطاء روتيني لتوريد مواد تنقية مياه الشرب لولاية الخرطوم، تحول بسرعة إلى ملف استقصائي يضع المؤسسة العسكرية تحت مجهر الرقابة الدولية.
وترى مصادر، أن هذا الاحتكار لمادة “ذات استخدام مزدوج” مثل غاز الكلور ليس مجرد سعي للسيطرة المالية، بل هو مؤشر خطير على رغبة القيادة العسكرية في تأمين مخزون استراتيجي من الغازات التي يمكن تحويلها بسهولة إلى أسلحة كيميائية فتاكة، خاصة في ظل الضغوط الميدانية المتزايدة وفشل الحلول التقليدية في حسم الصراع الدائر منذ منتصف أبريل 2023.
وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى هوية الجهة المستوردة، وهي “منظومة الصناعات الدفاعية” المدرجة فعليًا ضمن قوائم العقوبات الأمريكية، والتي يديرها الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، أحد أقرب المقربين من البرهان والمسؤول الأول عن صفقات التسلح المثيرة للجدل.
وأكدت المصادر، أن إقصاء عشرات الشركات الخاصة التي استوفت الشروط الفنية والمالية في اللحظات الأخيرة لفض المظاريف، يشير بوضوح إلى وجود أجندة خفية تتجاوز الاحتياجات المدنية لتنقية المياه.
وتؤكد تقارير حقوقية، أن هذا التوجه يأتي بتحريض مباشر من عناصر “الحركة الإسلامية” والموالين للنظام السابق، الذين دعوا صراحة عبر قياداتهم إلى استخدام “القوة المميتة” لحسم المعركة، وهو مصطلح يرى الخبراء العسكريون أنه يمهد لاستخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دوليًا كخيار أخير للحفاظ على السلطة.
مؤشرات الاستخدام الميداني المشبوه
لم تعد الاتهامات الموجهة للجيش السوداني باستخدام الغازات السامة مجرد تكهنات سياسية، بل بدأت تترسخ عبر تقارير ميدانية وتحقيقات دولية رصدت حالات اختناق وأعراض تتسق مع التعرض لغاز الكلور في مناطق نزاع ساخنة.
وقد وثقت جهات حقوقية استخدام هذه المواد في مناطق مثل “الكومة” و”مليط” بشمال دارفور، إضافة إلى مصفاة “الجيلي” شمال الخرطوم، حيث حاول الجيش استعادة السيطرة عليها من قوات الدعم السريع.
إن غاز الكلور، رغم أهميته في قطاع المياه، يسبب آلامًا حادة في الجهاز التنفسي وفشلاً رئويًا يؤدي للوفاة عند استخدامه بتركيزات معينة، وهو ما يفسر إصرار السلطة في بورتسودان على السيطرة المطلقة على سلاسل توريده لضمان تدفق هذه المواد بعيدًا عن أعين الرقابة التجارية المستقلة.
الدور الإخواني في التصعيد الكيماوي
تشير التحليلات السياسية إلى أن دعوات قيادات الإخوان، مثل “حاج ماجد سوار”، لاستخدام القوة المميتة لم تأتِ من فراغ، بل هي انعكاس لنهج تاريخي لهذه الجماعة التي صنفتها الولايات المتحدة مؤخرًا أن كمنظمة داعمة للإرهاب.
إن الحركة الإسلامية السودانية تمتلك سجلاً طويلاً في استخدام وسائل قتالية شديدة الفتك في مناطق الهامش، وهي الآن تسعى لإدخال مصادر توريد بديلة للمواد الكيميائية بعد تراجع الدعم الإيراني المباشر نتيجة الضغوط الدولية.
ويرى الخبراء، أن السيطرة على استيراد “بولي ألمونيوم كلوريد” وغاز الكلور المسال تحت غطاء “هيئة مياه ولاية الخرطوم” يمنح المنظومة الدفاعية غطاءً قانونيًا ظاهريًا لعمليات شراء كيميائية واسعة النطاق، تهدف في جوهرها إلى تعزيز القدرات الهجومية غير التقليدية للكتائب المساندة للجيش، مثل كتيبة “البراء بن مالك”.
تداعيات العقوبات الدولية
تضع هذه التحركات الجيش السوداني في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، التي فرضت بالفعل عقوبات على مدير منظومة الصناعات الدفاعية لتورطه في جلب مسيرات وأسلحة متطورة من دول مثل إيران وروسيا.
إن تحول الكلور من مادة مدنية إلى “سلاح يأس” يعكس حالة التخبط التي تعيشها سلطة بورتسودان، ويؤكد أن الأولوية القصوى للقيادة الحالية هي البقاء في الحكم حتى لو كان الثمن استخدام أسلحة محظورة دوليًا تسبب كوارث بيئية وإنسانية طويلة الأمد.
وتؤكد الوثائق الحصرية وتحقيقات مراكز الدراسات الدفاعية في واشنطن، أن الجيش السوداني بدأ بالفعل في معالجة شحنات الكلور المستوردة عبر بورتسودان لأغراض عسكرية، مما يثبت أن المخاوف الحقوقية من “احتكار الكلور” هي مخاوف مشروعة ومبنية على وقائع تقنية ملموسة.

