شكلت التطورات العسكرية الأخيرة في ولاية جنوب كردفان نقطة تحول مفصلية في قراءة المشهد السوداني المعقد، حيث لم يعد الحديث عن وجود “كتائب الظل” أو عناصر النظام السابق في جبهات القتال مجرد اتهامات سياسية تطلقها القوى المدنية، بل تحولت إلى واقع ميداني موثق بالدماء والأسماء.
وقالت مصادر: إن مقتل قيادي إخواني بارز من الصف الأول في قلب المعارك بجنوب كردفان، لم يكن مجرد خسارة بشرية لتنظيم “الإخوان المسلمين” في السودان، بل كان بمثابة “كشف حساب” علني يزيح الستار عن عمق التنسيق العسكري والسياسي بين قيادة الجيش السوداني والحركة الإسلامية، هذا الحدث يعيد صياغة الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الحرب الدائرة، هل هي حرب لاستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، أم أنها معركة وجودية يقودها الإسلاميون لاسترداد نفوذهم الضائع عبر بوابة المؤسسة العسكرية؟
إن المعطيات الميدانية تشير بوضوح إلى وجود “غرفة عمليات مشتركة” تتجاوز الدعم اللوجستي لتصل إلى مرحلة التخطيط والقيادة المباشرة للمعارك.
الميدان يفضح المستور: مقتل القيادي وبداية المكاشفة
تعتبر ولاية جنوب كردفان بتركيبتها الجغرافية والسياسية المعقدة ساحة اختبار حقيقية للقوى المتقاتلة، وفي هذا السياق جاء مقتل القيادي الإخواني ليعلن رسميًا نهاية حقبة “الإنكار” التي مارستها قيادة الجيش طويلاً حول صلتها بالنظام البائد.
التحليلات العسكرية تشير إلى أن وجود قيادات سياسية وتنظيمية بهذا الثقل في خطوط التماس الأولى، وفي مناطق عملياتية حساسة، يؤكد أن هؤلاء الكوادر لا يشاركون بصفة “مستنفرين” عاديين، بل يشرفون على إدارة محاور قتالية كاملة بالتنسيق مع غرف القيادة والسيطرة التابعة للقوات المسلحة، هذا الانخراط المباشر يثبت أن “كتائب البراء بن مالك” وغيرها من التشكيلات المسلحة التابعة للحركة الإسلامية قد أصبحت جزءًا أصيلاً من الهيكل العسكري الحالي، بل إنها في بعض المواقع تمثل القوة الضاربة التي يعتمد عليها الجيش في هجماته المرتدة، مما يجعل الفصل بين الجندي النظامي والكادر التنظيمي أمرًا مستحيلاً من الناحية العسكرية والسياسية.
غرفة العمليات المشتركة: هيكلية التنسيق العسكري
لم يأتِ هذا التعاون وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية “التمكين العسكري” التي انتهجتها الحركة الإسلامية على مدى ثلاثة عقود، والتي سمحت لها ببناء قواعد خلفية قوية داخل الجيش.
مقتل القيادي في جنوب كردفان كشف عن وجود قنوات اتصال مباشرة بين قيادات التنظيم في بورتسودان وبين غرف العمليات الميدانية، هذه الغرفة المشتركة تدير حاليًا ملفات حساسة تشمل التجنيد، والتعبئة الأيديولوجية، وتوفير الموارد المالية عبر شبكات اقتصادية موازية.
الأخطر من ذلك هو أن هذا التنسيق بدأ يؤثر بشكل مباشر على عقيدة الجيش القتالية.
حيث يتم استبدال الشعارات الوطنية بشعارات جهادية وتعبئة دينية صِرفة، مما يحول الصراع من نزاع حول السلطة أو التحول الديمقراطي إلى “حرب مقدسة” تخدم أجندة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهو ما يفسر استماتة الكوادر الإخوانية في القتال حتى الرمق الأخير في مناطق مثل جنوب كردفان والخرطوم.
التداعيات السياسية: اختطاف القرار العسكري
على الصعيد السياسي، يمثل هذا الكشف الميداني مأزقًا كبيرًا لقيادة الجيش السوداني أمام المجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين.
فبينما تحاول القيادة العسكرية تسويق نفسها كطرف يبحث عن مخرج للأزمة، تأتي جثث القيادات الإخوانية في الجبهات لتؤكد أن القرار العسكري السوداني بات مختطفًا من قبل قوى أيديولوجية لا تؤمن بالحل السلمي أو التحول المدني، هذا الواقع يعزز من سردية “قوات الدعم السريع” والقوى المدنية التي تصر على أن الحرب الحالية هي “حرب الفلول” لإجهاض ثورة ديسمبر.
كما أن هذا التحالف العلني يضع الجيش السوداني تحت طائلة الضغوط الدولية، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات إضافية على القيادات العسكرية المتواطئة مع عناصر مدرجة على قوائم الإرهاب أو مرتبطة بالنظام السابق، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي معاناة الشعب السوداني.
مستقبل الصراع في ظل التحالف الإخواني العسكري
إن استمرار هذا التحالف بين الجيش والإخوان يضع السودان أمام سيناريوهات قاتمة، حيث يتحول الجيش تدريجياً إلى “ميليشيا عقائدية” تدافع عن مصالح تنظيم بعينه بدلاً من حماية حدود الدولة وإن مقتل القيادي في جنوب كردفان هو مجرد قمة جبل الجليد، وما خفي من تغلغل الكوادر الإخوانية في مفاصل الاستخبارات العسكرية وسلاح الطيران والعمليات الخاصة ينذر بطول أمد الحرب، فالحركة الإسلامية تدرك أن هزيمة الجيش تعني نهايتها السياسية والوجودية في السودان، ولذلك فهي ترمي بكل ثقلها القيادي والمادي في أتون المعارك.
وأوضحت المصادر، أن هذا الاندماج العضوي يجعل من الصعب جدًا الحديث عن عملية “إصلاح عسكري” أو دمج للقوات في المستقبل دون مواجهة مباشرة مع نفوذ الإخوان المتجذر، مما يحول دون بناء جيش وطني مهني يلتزم بالحياد السياسي ويخضع للسلطة المدنية كما تطالب القوى الثورية.

