ذات صلة

جمع

السودان في هاوية الفوضى.. كيف تسبب البرهان في أكبر كارثة إنسانية عالمية؟

يواجه السودان واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية والسياسية...

تدمير التراث اليمني.. كيف حولت الاعتداءات الحوثية المعالم التاريخية إلى ركام؟

تواجه الحضارة اليمنية الضاربة في جذور التاريخ واحدة من...

خطر في غرف الإنعاش.. كيف أثرت هجرة الكوادر الشابة على سلامة المرضى في تونس؟

تواجه المنظومة الصحية في تونس تحديًا مصيريًا غير مسبوق،...

العراق في عنق الزجاجة.. هل ينجح “خيار التوافق” في إنقاذ رئاسة الحكومة؟

يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد ضمن ماراثون تشكيل...

تدمير التراث اليمني.. كيف حولت الاعتداءات الحوثية المعالم التاريخية إلى ركام؟

تواجه الحضارة اليمنية الضاربة في جذور التاريخ واحدة من أخطر التهديدات الوجودية منذ عام 2014 وحتى يومنا هذا في 2026، حيث تعرض التراث الثقافي والديني في البلاد لسلسلة من الاعتداءات الممنهجة التي تشنها جماعة الحوثي.

إن استهداف المعالم التاريخية والمساجد الأثرية لم يكن مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، بل كشف عن استراتيجية واضحة تهدف إلى طمس الهوية الوطنية واستبدالها بهوية طائفية غريبة عن المجتمع اليمني.

لقد تحولت القلاع الحصينة والمساجد التي صمدت لآلاف السنين إلى ثكنات عسكرية أو أهداف للتفجير المباشر؛ مما أدى إلى خسارة لا تعوض لإرث بشري عالمي كانت اليمن تفخر به أمام الأمم.

إن هذا التدمير لا يقتل الحاضر فحسب، بل يسعى لاجتثاث الماضي وحرمان الأجيال القادمة من صلتها بجذورها التاريخية العظيمة، وسط صمت دولي لم يفلح في وضع حد لهذه الكارثة الثقافية.

طمس المعالم الإسلامية وتفجير المساجد الأثرية

شهدت المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي موجة غير مسبوقة من تدمير المساجد التاريخية والمقامات الدينية التي تمثل جزءًا أصيلاً من نسيج المجتمع اليمني وتاريخه الإسلامي.

اعتمدت الميليشيا سياسة “التفجير المباشر” للمساجد التي لا تتماشى مع فكرها الطائفي، كما حدث في العديد من القرى والمدن في عمران وصعدة وصنعاء، حيث تم تسوية مساجد أثرية بالأرض باستخدام العبوات المتفجرة.

ولم يقتصر الأمر على التدمير الفيزيائي، بل امتد ليشمل تغيير الملامح المعمارية للمساجد القديمة، وطمس النقوش الإسلامية والزخارف التاريخية واستبدالها بشعارات طائفية.

هذا العدوان على “بيوت الله” لم يراعِ حرمة دينية ولا قيمة تاريخية، مما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الثقافية والحقوقية التي ترى في هذه الأفعال محاولة لإعادة صياغة التاريخ الديني لليمن بقوة السلاح وفرض رؤية أحادية تقصي الآخر وتاريخه.

الاعتداء على المدن التاريخية والمواقع المصنفة عالميًا

تعتبر مدن صنعاء القديمة، وزبيد، وشبام حضرموت، من الكنوز المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلا أنها لم تكن بمنأى عن العبث الحوثي.

فقد وثقت تقارير عام 2026 استخدام الميليشيا للمنازل التاريخية في صنعاء القديمة كمخازن للأسلحة وورش لتصنيع المتفجرات، مما عرضها لمخاطر الانهيار والدمار.

كما أدى الإهمال المتعمد لترميم هذه المعالم، وفرض قيود على المنظمات الدولية المهتمة بالآثار، إلى تدهور حالتها الإنشائية بشكل مريع.

إن تحويل المواقع الأثرية إلى “ثكنات عسكرية” جعل منها أهدافًا محتملة في الصراع، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. الميليشيا لم تكتفِ بالضرر غير المباشر، بل قامت في حالات عدة بهدم أسوار وقلاع تاريخية لفتح طرق عسكرية أو بناء تحصينات، مما شوه الوجه الجمالي والتاريخي لمدن كانت يومًا منارات للعلم والعمارة.

نهب الآثار والاتجار بالهوية الوطنية

بالتوازي مع التدمير المادي، برزت ظاهرة النهب المنظم للآثار اليمنية من المتاحف والمواقع التاريخية كأحد مصادر تمويل مجهود الميليشيا الحربي.

أشارت تحقيقات استقصائية إلى اختفاء آلاف القطع الأثرية النادرة من متحف صنعاء الوطني ومتحف تعز وغيرها من المستودعات الأثرية في المناطق الخاضعة للسيطرة الحوثية.

تم تهريب هذه القطع، التي تشمل نقوشًا سبئية وحميرية وعملات قديمة ومخطوطات نادرة، لتباع في مزادات دولية عبر شبكات تهريب عابرة للحدود.

إن هذا “الاستنزاف الحضاري” يمثل جريمة كبرى بحق الشعب اليمني، حيث يتم بيع تاريخ البلاد بالمزاد العلني مقابل الحصول على السلاح والمال.

الميليشيا تعمدت تعطيل الرقابة على المواقع الأثرية، مما فتح الباب أمام عصابات التنقيب العشوائي التي دمرت طبقات أثرية هامة لاستخراج الكنوز المدفونة، مما أدى لضياع معلومات تاريخية لا يمكن استردادها أبدًا.

تغيير الهوية الثقافية والمناهج التعليمية

لا يتوقف العدوان الحوثي عند هدم الجدران، بل يمتد لهدم “الإنسان” عبر محاربة الوعي التاريخي. قامت الجماعة بحذف فصول كاملة من المناهج الدراسية تتحدث عن الحضارات اليمنية القديمة والتاريخ الإسلامي المعتدل، واستبدلتها بمفاهيم تمجد رموزها وتكرس فكرها الطائفي.

هذا التدمير “المعنوي” للتراث يهدف إلى خلق جيل مقطوع الصلة بحضارته الحقيقية، جيل يرى في الآثار مجرد أحجار وفي المساجد مجرد منصات للتحريض.

إن محاربة التنوع الثقافي والفكري الذي امتاز به اليمن عبر العصور هو الوجه الآخر لتفجير المساجد والاعتداء على المعالم و إن العالم اليوم مطالب بالتحرك الجاد لحماية ما تبقى من تراث اليمن، ليس فقط لأنه ملك لليمنيين، بل لأنه جزء من الذاكرة الجمعية للبشرية التي تتعرض للاغتيال على يد ميليشيا لا تؤمن إلا بلغة الدم والدمار.