ذات صلة

جمع

تكتيك “الرذاذ الفولاذي”.. لماذا تخلت روسيا عن الرصاصة التقليدية؟

أحدثت الحرب الحديثة في أوكرانيا زلزالًا في مفاهيم التسليح...

مجاعة السودان.. كيف أدت قرارات البرهان العسكرية إلى حصار الأفواه الجائعة؟

تستمر المأساة السودانية في كتابة فصولها الأكثر قتامة، حيث...

شبح السلاح المنفلت.. كيف تعرقل “الدولة الموازية” بناء المؤسسات في العراق؟

يواجه العراق تحديًا وجوديًا يتمثل في ظاهرة "السلاح المنفلت"،...

تكتيك “الرذاذ الفولاذي”.. لماذا تخلت روسيا عن الرصاصة التقليدية؟

أحدثت الحرب الحديثة في أوكرانيا زلزالًا في مفاهيم التسليح التقليدية، حيث لم تعد الرصاصة التقليدية المصمتة كافية لحماية جندي المشاة من التهديد الأكثر فتكًا في ساحة المعركة اليوم، وهو الطائرات المُسيّرة الصغيرة والانتحارية من نوع FPV .

وفي هذا الإطار، أعلنت شركة “كلاشنيكوف”، عملاق الصناعات الدفاعية الروسية، عن تحول جذري في استراتيجيتها الإنتاجية من خلال تطوير طلقة جديدة عيار 5.45 ملم تعتمد على تكتيك “الرذاذ الفولاذي”.

هذا النوع الجديد من الذخائر يتخلى عن مفهوم المقذوف الواحد الذي يتطلب دقة إصابة متناهية يصعب تحقيقها ضد أهداف طائرة سريعة ومناورة، لصالح “مقذوف متعدد العناصر” ينفجر أو يتشظى فور مغادرته فوهة السلاح ليرسم سحابة من الشظايا القاتلة في مسار المسيرة؛ مما يزيد من احتمالية التعطيل والإسقاط بنسب تضاعف ما كانت تحققه الرصاصة التقليدية.

إن إصرار روسيا على التوسع في هذا المجال يعكس إدراكًا عميقًا بأن أنظمة التشويش الإلكتروني (EW) لم تعد كافية وحدها، خاصة مع ظهور مسيرات تعمل بالألياف البصرية لا تتأثر بالتشويش، مما جعل “الاشتباك الحركي” هو خط الدفاع الأخير والوحيد.

وبحسب الخبراء، فإن هذا التحول يمثل مأسسة لابتكارات بدائية بدأها الجنود في الخنادق باستخدام كرات فولاذية وأنابيب حرارية لتعديل ذخائرهم، وهي الخطوة التي حولتها “كلاشنيكوف” الآن إلى عملية صناعية كبرى تهدف لتزويد كل جندي يحمل بندقية AK-12 بقدرة ذاتية على الدفاع الجوي القريب.


هذا التغيير ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو إعادة صياغة لدور جندي المشاة الذي أصبح الآن وحدة اشتباك متعددة المهام، قادرة على التعامل مع الأهداف الأرضية والجوية المنخفضة بنفس الكفاءة.

آلية التفتت المبكر وفعالية الشظايا

تعتمد الذخيرة الجديدة عيار 5.45 ملم التي تطورها “كلاشنيكوف” على آلية هندسية دقيقة تضمن انفصال الشظايا بشكل منهجي ومنظم فور مغادرتها سبطانة السلاح. وبخلاف الذخائر التقليدية التي تعتمد على طاقة الاختراق، تعتمد هذه الطلقات على “كثافة الرش”، حيث يتم حشو المقذوف بعناصر متعددة تنقسم في الجو لتشكل ما يشبه “سحابة الموت” الفولاذية.

وتؤكد الاختبارات الروسية، أن هذه الشظايا مصممة لتكون قادرة على اختراق المراوح البلاستيكية الحساسة للمسيرات أو قطع الأسلاك والدوائر الإلكترونية المكشوفة، مما يؤدي إلى سقوط المسيرة فورًا حتى لو لم تصب الرصاصة قلب المحرك.

هذه التقنية تمنح الجندي أفضلية في التعامل مع المسيرات التي تحوم على ارتفاعات منخفضة أو تلك التي تنقض بسرعة انتحارية، حيث تصبح المساحة الجوية أمام فوهة السلاح منطقة محرمة على الطائرات الصغيرة.

المنافسة التقنية بين موسكو وكييف

على الجانب الآخر من الجبهة، لا تبدو أوكرانيا بعيدة عن هذا السباق، حيث طورت بالفعل طلقات مماثلة تُعرف باسم “هوروشوك” أو “البازلاء الصغيرة” عيار 5.56 ملم، والتي تعتمد على نفس فلسفة التفتت الشظوي، إلا أن الفارق الجوهري الذي تروج له “كلاشنيكوف” يكمن في توقيت ومسافة التفتت؛ فبينما تسعى الذخيرة الأوكرانية لقطع مسافة معينة قبل الانفجار لتوسيع المدى، تركز الذخيرة الروسية على “التفتت الفوري” لتوفير حماية قصوى للجندي في المسافات الحرجة (أقل من 50 مترًا).

إن هذا التباين التقني يعكس طبيعة التهديد الذي يواجهه الطرفان، حيث يسعى كل منهما لاحتكار سماء المعركة التكتيكية بأقل التكاليف الممكنة، محولين البنادق الآلية إلى بديل رخيص وفعال لمنصات الدفاع الجوي المعقدة والمكلفة التي يصعب توفيرها لكل فصيلة مشاة.

مستقبل الدفاع الجوي الفردي

يمثل تكتيك “الرذاذ الفولاذي” بداية نهاية عصر الهيمنة المطلقة للمسيرات الرخيصة في سماء المعارك البرية، حيث بدأت الصناعات الدفاعية العالمية، بما فيها مراكز الحرب السطحية في الولايات المتحدة وأوروبا، في اختبار “خراطيش قاتلة للمسيرات” تتبنى نفس المفهوم الروسي والأوكراني.

إن العودة إلى تكتيكات تشبه بنادق الصيد (الشوزن) ولكن في عيارات عسكرية دقيقة وآلية، تؤكد أن البساطة هي الحل الأمثل لمواجهة التكنولوجيا المعقدة للمسيرات.

ومع بدء الإنتاج الكمي لهذه الذخائر، تتوقع مصادر أن تتراجع كفاءة هجمات “الدرونات الانتحارية” بشكل ملحوظ، حيث سيتحول كل خندق وكل آلية إلى مصدر للنيران المتشظية التي تصطاد المسيرات كأسراب الطيور، مما سيعيد التوازن لموازين القوى البرية التي اختلت لصالح الجو في السنوات الثلاث الأخيرة.