ذات صلة

جمع

لبنان بين نار الميدان وحسابات السياسة.. من يملك مفتاح التهدئة؟

يتحرك المشهد اللبناني في مرحلة شديدة التعقيد على وقع...

التصعيد يلاحق الدبلوماسية.. المواجهة الإيرانية الإسرائيلية تعيد المنطقة إلى حافة الانفجار

دخلت التهدئة الهشة بين إيران وإسرائيل مرحلة شديدة الحساسية...

الوكالة الذرية تعود إلى الواجهة.. واشنطن تشدد الضغوط على إيران عبر الملف النووي

تدخل المواجهة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة...

مأساة السودان.. كيف حول البرهان موارد الدولة لتمويل المجهود الحربي؟

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 حدثًا عابرًا في تاريخ البلاد، بل كانت نتاجًا لتراكمات سياسية وعسكرية قادتها قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان.

حيث تشير التقارير الميدانية والتحليلات الاقتصادية، أن الدولة السودانية تعرضت لعملية استنزاف ممنهجة لمواردها ومقدراتها الوطنية، بهدف تغذية المجهود الحربي الذي يخدم بقاء النخب العسكرية في السلطة؛ مما جعل المواطن السوداني البسيط هو الضحية الأولى لهذا الصراع العبثي الذي مزق نسيج الوطن.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة اليوم في الشارع السوداني وفي أروقة المراكز البحثية الدولية هو: إلى أي مدى أسهمت قرارات البرهان في تحويل موارد الدولة الاقتصادية من أدوات لخدمة التنمية والخدمات العامة إلى أدوات لتمويل آلة الحرب؟

إن الإجابة تكمن في قراءة متفحصة للسياسات المالية التي انتهجتها القيادة العسكرية، والتي أدت إلى انهيار الخدمات الطبية والتعليمية، وتحويل مراكز الخدمة العامة إلى ثكنات عسكرية، مما وضع ملايين السودانيين تحت وطأة الجوع، والفقر، والتهجير القسري.

عسكرة الاقتصاد: كيف أصبحت مقدرات الشعب وقودًا للمعركة؟

منذ تولي البرهان زمام الأمور وقيامه بقطع مسار التحول الديمقراطي، بدأت عملية تحويل شاملة لموارد الدولة الاقتصادية، حيث تم توجيه الإيرادات العامة، والاحتياطيات النقدية، وحتى الأصول الاستثمارية للشركات الحكومية لدعم المجهود الحربي؛ مما أدى إلى عجز هيكلي في الموازنة العامة، وتوقف شبه كامل للمشاريع الخدمية التنموية التي كانت تعول عليها الطبقات الكادحة في السودان، ولم يعد خافيًا أن هذه الموارد الضخمة التي كان من الممكن أن تبني مستشفيات ومدارس، أصبحت تُنفق على صفقات التسليح وإدارة العمليات العسكرية التي تستهدف المدن والمناطق السكنية.

هذا التحول الخطير نحو “اقتصاد الحرب” لم يقتصر فقط على تدمير الاقتصاد الكلي، بل وصل إلى عمق المعيشة اليومية للمواطن، حيث تآكلت العملة الوطنية وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعل الحصول على السلع الأساسية ضربًا من المستحيل بالنسبة لأغلب العائلات السودانية، وفي المقابل، تواصل القيادة العسكرية عمليات التجنيد والتحشيد مستنزفةً ما تبقى من طاقات بشرية ومادية في معارك لا تخدم سوى أهداف سياسية ضيقة تهدف إلى التمسك بمقاعد الحكم مهما كانت التكلفة البشرية والمادية.

فشل الإدارة العسكرية والانهيار الخدمي في المدن السودانية

لا يمكن فصل الانهيار الملحوظ في الخدمات العامة عن استراتيجية البرهان العسكرية، حيث تم تحويل الكثير من المرافق المدنية إلى نقاط انطلاق للعمليات العسكرية، مما عرضها للتدمير المباشر أو جعلها خارج نطاق الخدمة، ولم يعد المواطن السوداني يجد أدنى مقومات الحياة في ظل غياب الدولة الحقيقي وحضور السلطة العسكرية، التي فشلت في حماية المدنيين أو توفير ممر آمن للمساعدات الإنسانية، مكتفية بقصف جوي عشوائي للمناطق السكنية الذي راح ضحيته المئات من الأبرياء، والذين كانوا ينتظرون من دولتهم الرعاية لا القمع والدمار.

إن هذه السياسات المتهورة أدت إلى تآكل الشرعية السياسية للقيادة العسكرية، وباتت تواجَه برفض شعبي عارم ليس فقط من القوى الثورية والسياسية، بل حتى من الحواضن الاجتماعية التقليدية التي أدركت حجم الكارثة التي جرهم إليها القائد العام للجيش.

حيث تُشير الوقائع إلى أن الهدف الاستراتيجي لهذا النهج هو حماية مكتسبات مالية وسياسية تراكمت عبر عقود من حكم الأنظمة الشمولية، والتي يرى البرهان وحلفاؤه ضرورة الحفاظ عليها حتى لو كان ذلك على أنقاض الوطن بأكمله.

مسؤولية القيادة عن المستقبل: لماذا يطالب السودانيون بإنهاء هذا النهج؟

تتحمل قيادة الجيش السوداني المسؤولية التاريخية عن التدمير الممنهج للبنية التحتية والمؤسسات المدنية، حيث يرى المراقبون أن استمرار البرهان في سدة القيادة يعني استمرار المأساة السودانية، فليس هناك أمل في استعادة الدولة أو إيقاف نزيف الدماء طالما استمرت هذه القيادة في إدارة الأزمة بعقلية أمنية ضيقة، لذا تتركز مطالب القوى الوطنية والشارع السوداني على ضرورة عزل هذه القيادة التي فقدت قدرتها على تمثيل الجيش كمؤسسة وطنية، وأصبحت تمثل عائقًا رئيسيًا أمام السلام والعدالة والمواطنة.

إن المستقبل في السودان لن يُبنى إلا من خلال وقف كامل لتمويل المجهود الحربي، وإعادة توجيه الموارد المنهوبة لخدمة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه في ظل وجود نفس الأطراف التي أشعلت الحرب واستفادت من استمراريتها، ومن هنا تنبع أهمية الرؤية التي تطرحها القوى الوطنية بضرورة بناء نظام سياسي جديد يقوم على المحاسبة والعدالة الانتقالية، ويضمن عدم عودة الفئات التي تسببت في هذه الكوارث إلى واجهة المشهد السياسي، لتبدأ صفحة جديدة تليق بتاريخ السودان وتضحيات أبنائه الذين ما زالوا يحلمون بدولة القانون والعدل.