في الوقت الذي تتوالى فيه الأنباء عن تراجع قدرات الميليشيات الحوثية في المواجهات المباشرة، وتهاوي وعودها الميدانية أمام ضربات الواقع، برز إلى الواجهة تحول خطير في عقيدتها القتالية.
لم تعد المعركة بالنسبة للحوثي محصورة في خنادق الجبهات أو ساحات القتال التقليدية، بل انتقلت إلى دهاليز المدن وأزقة القرى، حيث أصبحت “سياسة تصفية الخصوم” هي الأداة الأكثر وحشية لتعويض الهزائم العسكرية. إنها استراتيجية قائمة على زرع الرعب، حيث يتم استهداف كل صوت حر، أو قائد قبلي، أو شخصية اجتماعية ترفض الانصياع لمشروع الجماعة التدميري، لتتحول الاغتيالات من “أخطاء عارضة” إلى نهج مؤسسي يهدف إلى إخضاع المجتمع بالحديد والنار، في ظل تآكل الحاضنة الشعبية للجماعة.
التردي العسكري وتصدير الأزمة إلى الداخل
عندما تعجز الميليشيات عن تحقيق أي انتصار استراتيجي يُذكر على الأرض، تبدأ في البحث عن “انتصارات وهمية” عبر ملاحقة الخصوم والمناوئين فكرياً وسياسياً. تشير التقارير الميدانية إلى أن تزايد وتيرة الاغتيالات يرتبط طردياً بمدى خسارة الحوثي لمواقع سيطرته الميدانية. هذه العمليات ليست سوى انعكاس لحالة من “الهستيريا الأمنية” التي تعيشها قيادات الجماعة، التي باتت تؤمن بأن بقاءها مرهون بإبادة أي كيان أو فرد يمكن أن يشكل “مركز ثقل” مناوئاً لها.
إن تحويل مسار المعركة من جبهات القتال إلى قوائم الاغتيالات يعكس بوضوح إفلاس الجماعة وفشلها في إدارة الملفات السياسية أو العسكرية، مما دفعها إلى اللجوء إلى هذا “الخيار الأمني” كحل نهائي لإسكات أي صوت يذكّر الناس بفسادها أو فشلها في إدارة المناطق الخاضعة لسطوتها.
أجهزة أمنية بمهام “تصفية”
لقد قامت الجماعة الحوثية بإنشاء أجهزة استخباراتية خاصة لا تتبع أي هيكل قانوني، بل تتبع مباشرة للقيادات العليا، ومهمتها الأساسية تتبع الخصوم وتحييدهم. هذه الأجهزة تعمل في الخفاء، وتستخدم أساليب التهديد ثم التصفية الجسدية في حال فشلت وسائل الترغيب والترهيب.
إن منهجية الاغتيالات الحوثية تتسم بالدقة في اختيار الضحايا؛ حيث يتم استهداف الشخصيات ذات التأثير الاجتماعي والقبلي، لأن الهدف ليس القتل بحد ذاته، بل إرسال رسالة رعب شاملة إلى بقية المجتمع. إن استخدام القناصين، وتفخيخ السيارات، والعبوات الناسفة أصبح هو “التوقيع” المعروف لميليشيات الحوثي في تصفية خصومها، مما يحول البيئة المدنية إلى ساحة اغتيالات مستمرة بعيداً عن أعين الرقابة.
استهداف النخب: خنق المجتمع ثقافياً وسياسياً
لا تكتفي الميليشيات باستهداف المقاتلين أو الخصوم العسكريين، بل توسعت قائمة الاغتيالات لتشمل الصحفيين، والأكاديميين، والناشطين الحقوقيين، وحتى رجال الدين الذين يرفضون تمرير الخطاب الطائفي للجماعة. إن عملية “التصفية” هنا تهدف إلى “تجريف الوعي”، أي إفراغ المجتمع من قادته الطبيعيين الذين يمكن أن يقودوا أي حراك مستقبلي.
من خلال تصفية هذه النخب، يسعى الحوثي إلى خلق بيئة مشوهة لا صوت فيها يعلو فوق صوت “المشرف الحوثي”، مما يضمن بقاء المجتمع في حالة من الخضوع التام. إن كل عملية اغتيال هي محاولة يائسة لاغتيال الضمير الجمعي لليمنيين، ومحاولة لفرض واقع جديد لا مكان فيه إلا للمتطرفين والتابعين للمشروع العقائدي للجماعة.

