ذات صلة

جمع

جذور الفشل.. لماذا تحولت تفاهمات “برلين” إلى حبر على ورق في ليبيا؟

لم تكن تفاهمات "مؤتمر برلين" مجرد اجتماع دولي عابر،...

لبنان بين نار الميدان وحسابات السياسة.. من يملك مفتاح التهدئة؟

يتحرك المشهد اللبناني في مرحلة شديدة التعقيد على وقع...

جذور الفشل.. لماذا تحولت تفاهمات “برلين” إلى حبر على ورق في ليبيا؟

لم تكن تفاهمات “مؤتمر برلين” مجرد اجتماع دولي عابر، بل صُوِّرت في حينها كطوق نجاة نهائي لإنقاذ ليبيا من مستنقع الانقسام والحروب الأهلية. قادة العالم اجتمعوا، والوعود بالتزام الجميع بمسار سياسي موحد كانت تبدو قوية، ولكن بعد مرور أكثر من ست سنوات على تلك التفاهمات، يجد المواطن الليبي نفسه أمام واقع مرير؛ حيث تحولت تلك الوثائق والعهود إلى “حبر على ورق”.

إن فشل هذه التفاهمات لم يكن صدفة، بل كان نتيجة حتمية لصراع الأجندات وتضارب المصالح التي جعلت من المسار السياسي الليبي رهينة لتوازنات دولية وإقليمية معقدة، متجاهلة في الوقت ذاته التطلعات الحقيقية للشعب الليبي في استعادة سيادته والذهاب إلى صناديق الاقتراع.

تباين الأجندات: حينما تغدو المصالح الدولية فوق مصلحة الوطن

إن السبب الرئيسي وراء تحول تفاهمات برلين إلى مجرد نص نظري لا يغادر أروقة المؤتمرات هو تباين الأجندات الدولية التي تقاطعت على الأرض الليبية. ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع الدولي يتحدث بلغة “خارطة الطريق”، كانت القوى الفاعلة تعمل وفق منطق “الحفاظ على النفوذ”.

هذا التضارب جعل من تنفيذ البنود الأمنية والعسكرية، مثل إخراج المرتزقة وتوحيد المؤسسة العسكرية، أمرًا أشبه بالمستحيل. لقد أصبحت ليبيا ساحة لإدارة توازنات القوى بدلاً من أن تكون دولة مستقلة ذات سيادة، حيث أدى تمسك كل طرف دولي بحلفائه المحليين إلى تقوية مراكز النفوذ الجهوية، مما أضعف الحكومة المركزية وجعل من أي توافق سياسي هدفًا بعيد المنال، لتتحول التفاهمات الدولية في جوهرها إلى أداة لتقاسم النفوذ بدلاً من كونها خارطة طريق لإعادة بناء الدولة.

تعثر الانتخابات: لماذا ضاعت فرصة ديسمبر 2021؟

تعتبر ذكرى ديسمبر 2021 نقطة الانكسار الكبرى في مسار التفاهمات الدولية؛ فبينما كان الشارع الليبي يتأهب لاختيار ممثليه عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت ستنهي فصولاً طويلة من المراحل الانتقالية، انهارت كل الترتيبات في اللحظات الأخيرة.

هذا الفشل لم يكن إداريًا أو تقنيًا فحسب، بل كان إعلانًا صريحًا عن عجز المسار الدولي عن مواجهة “المعرقلين” داخليًا وخارجيًا.

إن إخفاق القوى الدولية في فرض احترام خارطة الطريق التي وقعت عليها بنفسها، والرضوخ للأمر الواقع الذي فرضته القوى المحلية المستفيدة من استمرار حالة الفراغ، جعل من تفاهمات برلين مجرد غطاء شكلي يوفر شرعية لمؤسسات منتهية الولاية، مما أدى في النهاية إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية وتعميق هوة الانقسام بين شرق البلاد وغربها.

الإرادة الوطنية: المفقود الأكبر في معادلة الحل السياسي

على مدى سنوات من الحوارات المهيكلة واللقاءات المكوكية، ظلت قضية “الملكية الوطنية” هي الحلقة المفقودة. لقد أثبتت التجربة الليبية أن الحلول المستوردة، مهما كانت جودتها النظرية، ستظل قاصرة طالما أنها لا تنبع من توافق ليبي-ليبي خالص.

إن تحول تفاهمات برلين إلى حبر على ورق يعكس بوضوح خطأ الاعتماد المفرط على المسارات التي ترعاها البعثات الأممية دون إشراك حقيقي للقواعد الشعبية والمكونات الوطنية.

إن الليبيين اليوم يطالبون بآليات عمل تنبثق من إرادتهم، بعيداً عن صراعات المحاور التي لم تجلب للبلاد سوى المزيد من الانقسام، فالتجارب أثبتت أن أي مسار يتجاوز القضايا الدستورية والتشريعية الجوهرية، ويحاول فرض حلول ترقيعية، مصيره الفشل في اختبار الواقع.

نحو رؤية وطنية: هل انتهى عصر “المؤتمر التأسيسي”؟

في ظل الجمود الحالي، تبرز أصوات وطنية تنادي بضرورة مراجعة كل المسارات السابقة، بما في ذلك فكرة “المؤتمر التأسيسي” كبديل دستوري يعالج أزمة الشرعية من جذورها، وإن رفض القوى الوطنية لأي دور تشريعي دولي، وتمسكها بالآليات الوطنية، هو رد فعل طبيعي على فشل التفاهمات الدولية في تحقيق الاستقرارو إن المرحلة المقبلة تتطلب من الليبيين تجاوز مرحلة انتظار “الحلول الدولية” والبدء في صياغة ميثاق وطني يحفظ وحدة البلاد وسيادتها، لأن بقاء الأمور على حالها من الازدواجية الحكومية وتضارب الأجندات سيجعل الدولة الليبية فريسة دائمة للاضطرابات.

إن استخلاص العبر من فشل تفاهمات برلين هو الخطوة الأولى نحو الطريق الصحيح، فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تعتمد على إرادتها في بناء مؤسساتها هي الوحيدة القادرة على الصمود وتحقيق المستقبل الذي تستحقه.