تستمر المأساة السودانية في كتابة فصولها الأكثر قتامة، حيث لم تعد أصوات المدافع هي الوحيدة التي تحصد الأرواح، بل دخل “الجوع” كلاعب أساسي وفتّاك في مشهد الصراع.
ومع دخول الحرب عامها الثالث، يجد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، نفسه أمام اتهامات دولية وشعبية متزايدة حول دور الإدارة العسكرية والسياسية في تدهور الأوضاع المعيشية وصولاً إلى حافة المجاعة الشاملة.
إن الحصار الذي يفرضه الواقع العسكري لم يقتصر على جبهات القتال، بل امتد ليطال لقمة عيش الملايين الذين باتوا محاصرين بين مطرقة النزاع وسندان الانعدام الحاد للغذاء.
سياسة الأرض المحروقة وتدمير البنية التحتية الزراعية
لقد كان السودان يُعرف يومًا بأنه “سلة غذاء العالم العربي”، لكن الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023 حولت هذا الشعار إلى ذكرى مؤلمة.
تسببت العمليات العسكرية في تعطيل المساحات الزراعية الكبرى، لا سيما في ولاية الجزيرة التي تعتبر القلب النابض للزراعة في البلاد.
إن سيطرة القوى المتصارعة على مناطق الإنتاج، أو تحويلها إلى ساحات قتال، أدى إلى انخفاض المساحات المزروعة بنسبة تجاوزت 60%.
لم يكن هذا الانهيار وليد الصدفة، بل كان نتيجة مباشرة لغياب الرؤية الاستراتيجية في حماية المناطق الإنتاجية وتوفير الممرات الآمنة للمزارعين، مما وضع قيادة الدولة في مواجهة مباشرة مع تساؤلات حول الفشل في تأمين الحد الأدنى من السيادة الغذائية.
عسكرة المسارات الإنسانية واحتجاز المساعدات
من أكثر النقاط إثارة للجدل في “قفص الاتهام” الموجه للقيادة، هو ملف المساعدات الإنسانية. تتهم المنظمات الدولية السلطات بوضع عوائق بيروقراطية وأمنية أمام وصول القوافل الإغاثية إلى المناطق المتضررة، خاصة تلك الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع أو المناطق المحاصرة.
إن الإصرار على مسارات محددة ورفض فتح معابر حدودية حيوية “مثل معبر أدري في فترات سابقة” بحجج سيادية، اعتبره مراقبون نوعًا من استخدام “التجويع كوسيلة ضغط عسكري”، هذا الحصار الإداري والأمني أدى إلى تكدس آلاف الأطنان من المواد الغذائية في الموانئ والمخازن، بينما يموت الأطفال من سوء التغذية في معسكرات النزوح بدارفور وكردفان والخرطوم.
الانهيار الاقتصادي وتآكل القوة الشرائية للمواطن
لم يكن الجوع نتاج نقص الغذاء فحسب، بل كان نتيجة مباشرة لانهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات فلكية.
السياسات النقدية والمالية التي اتبعتها الحكومة في ظل الحرب فشلت في لجم جماح الأسعار، مما جعل السلع الأساسية، إن وجدت، بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من الشعب.
فقد الملايين وظائفهم ومدخراتهم، وتحولت المدن التي كانت تنبض بالحياة إلى أسواق خاوية إلا من تجار الأزمات، إن تحميل البرهان المسؤولية ينبع من كونه الرأس الهرمي للسلطة التي فشلت في إيجاد بدائل اقتصادية أو توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي المواطن من غوائل الدهر، مما جعل “الجوع” حصارًا اقتصاديًا يطوق الرقاب قبل أن يكون حصارًا عسكريًا.
نزوح الملايين وتحول المنتج إلى مستهلك جائع
أدت الحرب إلى أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا، حيث فر ملايين السودانيين من منازلهم وقراهم.
هذا النزوح القسري أفرغ الريف من منتجيه، وحول المزارعين والرعاة إلى لاجئين يعتمدون على الفتات في مراكز الإيواء.
إن غياب الأمن في الولايات المستقرة نسبيًا وانتشار النهب المسلح للمخازن والأسواق زاد من تعقيد المشهد، وعندما يفقد الإنسان أرضه وسيلة إنتاجه، يصبح الحصار مكتملاً.
القيادة العسكرية مطالبة اليوم بتفسير كيف سمحت بانزلاق البلاد نحو هذا الدرك، وكيف يمكن استعادة الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها ليس من الرصاص فحسب، بل من الموت جوعًا داخل بيوتهم أو في خيام النزوح.
التدخل الدولي ومستقبل السودان المظلم
بينما يتبادل أطراف النزاع الاتهامات، يقف المجتمع الدولي محذرًا من كارثة إنسانية لم يشهدها القرن الحادي والعشرون.
إن وضع “البرهان في قفص الاتهام” ليس مجرد توصيف سياسي، بل هو انعكاس لتقارير حقوقية تشير إلى احتمالية ارتكاب جرائم حرب تتعلق بتعمد عرقلة وصول الغذاء.

