ذات صلة

جمع

تقويض الدولة ومؤسساتها.. كيف دمرت سياسات البرهان الأمن القومي السوداني؟

في منعطف تاريخي بالغ الخطورة، تتكشف تدريجيًا خيوط مؤامرة...

بين كييف وطهران.. هل يُعاد رسم خريطة المواجهة الدولية؟

تشهد الحرب الأوكرانية مرحلة جديدة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية...

العراق يرفض استخدام أراضيه لاستهداف دول الجوار.. توتر أمني يعقّد المشهد الإقليمي

أعلنت الرئاسة العراقية رفضها استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات...

شلل مالي وملاحقة دولية.. كيف تضع العقوبات الأمريكية شبكات الإخوان أمام خيارات كارثية؟

في عالم تتشابك فيه خيوط المال والسياسة، تتسارع الضربات الدولية الموجعة لتفكيك البنية التحتية لواحدة من أخطر التنظيمات العابرة للحدود؛ إذ تجد جماعة الإخوان الإرهابية نفسها اليوم أمام مأزق الانهيار الوشيك والشلل المالي الكامل.

فمع إطباق الخناق المالي والاستخباراتي من قبل المؤسسات الرسمية الكبرى، تتحول شبكات التمويل المعقدة والواجهات المصرفية والخيرية الوهمية، التي استخدمتها الجماعة طيلة عقود لتمويل الأنشطة المسلحة تحت غطاء العمل المدني، إلى أهداف مرصودة بدقة متناهية. هذا التصعيد الاستثنائي لا يقتصر وقعه على تجميد الأصول فحسب، بل يمثل نقطة تحول جذرية في القضاء على الملاذات الآمنة، ويدفع المنظومة الدولية بأسرها نحو مراجعة شاملة لخطورة التعامل مع كيانات باتت تمثل تهديدًا صريحًا للأمن والسلم الدوليين.

العاصفة المالية تضرب التنظيم الدولي

شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا نوعيًا في الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تقويض شبكة التمويل الإخواني متعددة الطبقات، وذلك عقب القرار الحاسم الذي اتخذه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك)، التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

استهدف القرار المذكور، في القلب، رأس الهرم التنظيمي للتنظيم الدولي للجماعة، بإدراج محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم، على قوائم العقوبات المرتبطة بتمويل الإرهاب.

ولم يكن هذا الإجراء مجرد عقوبة فردية عابرة، بل جاء ليصدم شبكات مالية ضخمة تعتمد عليها الجماعة في تحويل الأموال عبر شركات وواجهات مصرفية وخيرية صُممت خصيصًا لتفادي الرقابة الرسمية وتضليل السلطات في العديد من دول العالم.

تشير التقارير الأمنية والأممية المتخصصة في تتبع تمويل الجماعات المتطرفة إلى أن التنظيم الدولي للإخوان اعتمد على شبكات تمويل عابرة للحدود تُقدر بمئات ملايين الدولارات شهريًا. هذه الأموال لم تقتصر على الأنشطة التنظيمية الروتينية، بل كشفت التحقيقات الاستخباراتية عن تحويل مبالغ طائلة من واجهات مدنية وجمعيات خيرية مزعومة نحو تمويل شبكات مسلحة مرتبطة بالجماعة وأفرعها الإقليمية، على رأسها حركة حماس.

وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن الدوائر المالية الدولية أن هذه الممارسات تشكل خرقًا صارخًا للقوانين الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال، مما دفع واشنطن إلى تبني مقاربة استخباراتية مالية تدريجية تهدف إلى التجفيف الشامل لمنابع التمويل وإحداث شلل تام في حركة قيادات التنظيم حول العالم.

تداعيات العقوبات المباشرة على الأصول والكيانات

يترتب على القرار الأمريكي الأخير منظومة من الآثار القانونية والاقتصادية الصارمة التي تطال كل شخص أو كيان ورد اسمه في القوائم المحدثة، وتتجلى هذه الآثار في عدة محاور أساسية، منها: التجميد الكلي والفوري لكافة الأصول والممتلكات والمصالح الخاصة بالمشمولين بالعقوبات داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أي أشخاص أمريكيين، وفرض حظر شامل يحظر على مواطني الولايات المتحدة والشركات والمؤسسات المالية والمصرفية التعامل التجاري أو المالي معهم بشكل قطعي، وحظر أي معاملات مالية أو تحويلات عبر النظام المالي الأمريكي، مما يعزل تلك الشخصيات والكيانات عن النظام المصرفي العالمي، وامتداد نطاق العقوبات آليًا ليشمل أي شركة أو مؤسسة أجنبية أو محلية تبلغ نسبة ملكية محمود الإبياري أو الكيانات المدرجة فيها 50% أو أكثر، وتجريم أي محاولات للالتفاف على العقوبات، مما يرفع سقف المخاطر القانونية والسمعة بشكل غير مسبوق أمام أي جهة تفكر في تقديم الدعم أو التعاون مع الجماعة.

وفي السياق ذاته، توثق تقارير أممية وحقوقية دولية صادرة عن لجان مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي أن استخدام الواجهات الوهمية والشركات الواجهة أصبح الأسلوب المفضل للتنظيمات الإرهابية للهروب من الملاحقات الأمنية. وتشدد هذه التقارير على أن الربط الوثيق بين شبكات تمويل الإخوان وحركة حماس يستوجب من المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات رادعة ومتسقة لتجفيف منابع الإرهاب العالمية، وحماية الاقتصادات الوطنية من الاختراق عبر القنوات غير المرخصة.

وعلى الرغم من استقلال منظومة العقوبات البريطانية والأوروبية عن نظيرتها الأمريكية، فإن تداعيات التصنيف الأخير تمتد بظلالها الثقيلة على الوجود الإخواني في القارة العجوز، ولا سيما في بريطانيا، حيث يتواجد عدد كبير من قيادات الصف الأول.

وترتبط البنوك والمؤسسات المالية الكبرى في لندن ارتباطًا وثيقًا بالنظام المالي الأمريكي، وتعتمد الدولار الأمريكي في تسوية معاملاتها الدولية الكبرى، مما يفرض عليها التزامًا صارمًا بقوانين الامتثال الدولية لتجنب التعرض لعقوبات أمريكية قاسية أو أضرار بالغة بالسمعة المؤسسية.

ونتيجة لذلك، بدأت المصارف الكبرى في بريطانيا بإخضاع المعاملات المالية المرتبطة بمحمود الإبياري والشركات المسجلة باسمه لعمليات مراجعة استثنائية ومعقدة، ومن المتوقع الإقدام على إغلاق الحسابات البنكية ذات الصلة ورفض أي تحويلات مالية مشبوهة.

وفي هذا الصدد، تشير تصريحات موثقة لخبراء وباحثين في حركات الإسلام السياسي إلى أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بريطانيا وأوروبا ستعمد إلى زيادة وتيرة التعاون وتبادل المعلومات مع الوكالات الأمريكية، وإجراء إعادة تقييم شاملة للأنشطة المدنية والخيرية التي تتخذها الجماعة ستارًا لأنشطتها التنظيمية، استنادًا إلى تقارير حقوقية سابقة دعت مرارًا إلى تشديد الرقابة على مصادر تمويل التيارات المتطرفة وحرمانها من الملاذات الآمنة.

وتخلص التقارير الاستخباراتية إلى أن جماعة الإخوان باتت تلجأ إلى أساليب “التحايل” المالي والتمويه بغية الهروب من الطوق الأمني المفروض عليها، إلا أن المقاربة الاستخباراتية المالية المتبعة حاليًا من قبل القوى الكبرى تضيق الخناق يومًا بعد يوم، وتضع الجماعة أمام حتمية الانهيار التنظيمي والعزلة الدولية الكاملة، وسط توقعات متزايدة بانضمام عواصم أوروبية جديدة إلى مسار حظر وتجريم أنشطة التنظيم بشكل نهائي.