تخوض الدولة السورية الجديدة معركة شرسة ولا تقل ضراوة عن سنوات المواجهة الكبرى، تتمثل في تطهير المدن والبلدات من تركة ثقيلة ورثتها عن مرحلة الانهيار المتمثلة في فوضى السلاح المنفلت وانتشاره المرعب بين أيدي المدنيين.
وفي هذا السياق الأمني المحتدم، كشفت مصادر عن وضع اللمسات الأخيرة لتشريع قانون صارم يصدر قريبًا لتنظيم حيازة الأسلحة الفردية، ووضع آليات قانونية ودعم قضائي كامل لإنهاء هذه الظاهرة التي تهدد السلم المجتمعي ونسيج الاستقرار الداخلي.
وتأتي هذه الخطوة الاستباقية استجابةً لموجة عارمة من المطالب الشعبية والبرلمانية الملحة، بعد أن تحولت الخلافات البسيطة والمشاحنات العائلية والمالية إلى اشتباكات مسلحة دموية حصدت أرواح الأبرياء في حلب، وحمص، وريف دمشق، مما جعل فرض سلطة القانون وبسط هيبة الدولة الضرورة القصوى التي لا غنى عنها لضمان أمن وحياة المواطنين.
دماء في الشوارع: من نزاعات الأرصفة إلى الثأر العائلي
لم تعد النزاعات في الشارع السوري تقتصر على المشاجرات التقليدية، بل باتت تطور في لمح البصر إلى معارك ضارية تستخدم فيها الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، وهو ما وثقته تقارير ميدانية عديدة شهدتها المدن السورية خلال النصف الثاني من يوليو 2026.
ففي حي بني زيد بحلب، اندلعت اشتباكات دموية عنيفة يوم 20 يوليو بين عائلتين على خلفية ثأر قديم أودت بحياة مدني وأصابت آخرين، وقبلها بأيام شهد حي الميسر وجنوب حلب معارك ضارية بسبب خلافات مالية وإشغال أرصفة المحال التجارية، فضلاً عن أحداث مماثلة في بلدة الغزلانية وحمص.
الانتقام من الشبيحة ومعضلة العدالة الانتقالية
إلى جانب النزاعات العائلية والمالية، تواجه الدولة السورية تحديًا حقوقيًا وأمنيًا معقدًا يكمن في حالات الانتقام الفردي وتصفية الحسابات ضد عناصر النظام البائد وشبيحته ممن بقي طليقًا دون محاكمة عادلة.
وتشير التقارير الواردة من أحياء مساكن هنانو والصاخور بحلب ومدن حمص وحماة إلى تكرار الاحتكاكات المسلحة بين الأهالي المتضررين وهؤلاء العناصر الذين يستفزون ضحاياهم بالمفاخرة بحمل السلاح والاحتفاظ بالممتلكات المغصوبة، في غياب ناجز للعدالة الانتقالية الفورية.
وفي هذا السياق، تطالب فعاليات مدنية ونشطاء مثل ميلاد الشهابي بضرورة الاعتقال الفوري لمجرمي الحرب ونزع سلاحهم لقطع دابر العنف الثأري.
وتشهد الساحة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد وميلشياته المتعددة الجنسيات أواخر عام 2024 تحديات أمنية وهيكلية بالغة التعقيد، تتقدمها ظاهرة انتشار السلاح المنفلت والعشوائي بين أيدي المدنيين وبقايا الفصائل المسلحة.
ومع لجوء الميليشيات المنهارة إلى التخلي عن مخازن عتادها ومعسكراتها دون تأمين، سقطت ملايين القطع السلاحية في أيدي الأهالي، مما تحول تدريجيًا إلى قنابل موقوتة تهدد النسيج المجتمعي والأمن الداخلي في مختلف المحافظات السورية.
وفي ظل هذا الفراغ التشريعي وغياب قوانين سابقة تجرم حيازة الأسلحة الفردية وتكتفي بمصادرتها عند الاستخدام فقط، تفاقمت حوادث العنف الفردي والعائلي والنزاعات المالية لتأخذ طابعًا مسلحًا داميًا.
ووثقت التقارير الميدانية تصاعد الاشتباكات العشوائية في أحياء حلب وحمص وريف دمشق، إلى جانب التحديات الجسيمة المرتبطة بحالات الثأر الانتقامي ضد عناصر النظام البائد وشبيحته ممن لم يخضعوا لمحاكمات عادلة بعد، وهو ما خلق ضغوطًا شعبية وحقوقية هائلة تطالب بضرورة تفعيل العدالة الانتقالية وبسط سلطة القضاء.
واستجابة لهذه التحديات الوجودية التي تهدد استقرار البلاد، كثفت الجهات الحكومية والأمنية ممثلة في وزارة الداخلية وبالتنسيق مع مجلس الشعب جهودها التشريعية والميدانية للحد من هذه الظاهرة.
وتتضمن هذه الجهود إعداد مشاريع قوانين صارمة لترخيص وتجريم حيازة السلاح، إلى جانب إطلاق حملات أمنية واسعة النطاق لجمع الأسلحة ومصادرتها من المدنيين والمقرات غير المرخصة، بهدف استعادة هيبة الدولة، وحماية السلم الأهلي، وتعبيد الطريق نحو بناء دولة المؤسسات والقانون المنشودة.
توثق التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والدولية المعنية بالشأن السوري، بما فيها تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026، حجم التحديات الأمنية والإنسانية الهائلة المرتبطة بانتشار مئات الآلاف من قطع الأسلحة الفردية والمتوسطة خارج إطار الدولة.
وتشير البيانات الأممية إلى أن تداعيات فوضى السلاح المنفلت أسفرت عن ارتفاع بنسبة ملحوظة في معدلات العنف المجتمعي والنزاعات المسلحة المحلية، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح في مناطق حلب وحمص وريف دمشق خلال النصف الأول من عام 2026 وحده.
وفي السياق ذاته، تؤكد تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، أن غياب آليات العدالة الانتقالية الناجزة ومحاكمة عناصر النظام البائد المتورطين في انتهاكات جسيمة يغذّي موجات الانتقام الفردي والثأر العائلي، ويهدد السلم الأهلي في المدن السورية.
ودعت تقارير الأمم المتحدة السلطات السورية إلى تسريع وتيرة إصلاح المنظومة التشريعية، وسن قوانين صارمة لتنظيم حيازة السلاح ومصادرته، بالتوازي مع تعزيز قدرات القضاء ومؤسسات إنفاذ القانون، محذرة من أن استمرار الفراغ التشريعي وتفشي السلاح العشوائي يقوضان جهود الاستقرار ويعيقان مسار التعافي وبناء دولة المؤسسات الحديثة.

