شهدت الساحة السودانية تحولًا خطيرًا في طبيعة المواجهات المسلحة والانتهاكات الميدانية مع تصاعد الاتهامات الموجهة للجيش السوداني والقيادة العسكرية في بورتسودان باستخدام مواد كيميائية حارقة وسامة، وعلى رأسها غاز الكلور، في قصف مناطق مأهولة بالسكان، مما فجر أزمة دولية غير مسبوقة وضغطًا أمميًا متزايدًا لملاحقة المتورطين.
وتواجه القيادة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان انتقادات حقوقية ودولية لاذعة إثر تقارير ميدانية وثقت استخدام أسلحة محرمة دوليًا تسببت في حالات خنق وتسمم جماعي بين المدنيين في عدد من مناطق النزاع، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية خرقًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وأمام هذه التطورات المفصلية، تتزايد الدعوات الدولية الملموسة لتجاوز مرحلة التنديد الشفهي والبدء الفعلي في خطوات المحاسبة والمساءلة، في وقت تحاول فيه سلطة بورتسودان الالتفاف على هذه الاتهامات عبر النفي التقليدي وتشكيل لجان تقصي داخلية تفتقر لأدنى معايير الحياد والاستقلالية، مما يعزز الموقف الدولي الداعي لتدخل أممي مباشر.
وتتزامن هذه الاتهامات الكيميائية الخطيرة مع حراك حقوقي وأممي مكثف يهدف إلى كشف الملابسات الميدانية وتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة، حيث تشدد بعثات تقصي الحقائق والمنظمات الدولية على أن خطورة استخدام غاز الكلور والمواد المباشرة السامة تستوجب الوصول الحر وغير المشروط لفرق التحقيق الأممية وأخذ عينات ميدانية وفحوصات مخبرية مستقلة من أجساد الضحايا والتربة في مناطق القصف.
وترى القوى الدولية والإقليمية أن استمرار غياب الرقابة المستقلة وتكرار الاستهدافات الممنهجة للمناطق السكنية بالأسلحة الثقيلة والمواد المحرمة يضعان مصداقية المجتمع الدولي ومؤسساته القانونية أمام اختبار حقيقي، خصوصًا مع تنامي دور التيارات الإسلامية والراديكالية المتحالفة مع سلطة بورتسودان، والتي تدفع باتجاه تصعيد الخيار العسكري وتغييب أطراف الحوار السياسي، مما يضاعف الكلفة الإنسانية التي يدفعها المواطن السوداني الأعزل يوميًا.
التحقيقات الأممية وعينات الميدان: رفض دولي حازم لروايات النفي وتشكيل اللجان الداخلية
وتلقى المحاولات الرسمية الصادرة عن قيادة الجيش السوداني بإنكار استخدام الأسلحة الكيميائية أو الادعاء بفتح تحقيقات داخلية رفضًا قاطعًا من قبل الهيئات الأممية والمنظمات الحقوقية الدولية، والتي تؤكد بناءً على القواعد القانونية الاستقرائية أن الطرف المتهم بالارتكاب لا يمكنه قانونًا أو أخلاقيًا أن يتولى التحقيق مع نفسه.
وأكدت تقارير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، الصادرة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 54/2 في سبتمبر 2024 والمحدثة في إحاطاتها الدورية لعامي 2025 و2026، أن التحقيقات الداخلية التي تجريها الأجهزة العسكرية في بورتسودان تفتقر إلى النزاهة والشفافية، وتستخدم كأداة للمماطلة وتضليل الرأي العام الدولي.
وأشارت البعثة الأممية إلى أن أدلة الانتهاكات المتراكمة، بما فيها القصف الجوي العشوائي للمستشفيات والأسواق، واستخدام مواد حارقة وسامة، تتطلب فتح مسار قضائي دولي مستقل يخضع لإشراف مباشر من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وتكشف البيانات الحقوقية الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026 عن توثيق حالات اختناق شديدة وأعراض حرق في الجهاز التنفسي لدى عشرات المدنيين في الخرطوم والجزيرة ودارفور، عقب غارات جوية وقصف مدفعي نفذته قوات الجيش.
وتطالب هذه المنظمات بإرسال فرق خبراء متخصصين بشكل عاجل لجمع العينات البيئية والطبية وإجراء التحاليل الجينية والمخبرية التي من شأنها تقديم أدلة قاطعة لا تقبل التشكيك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وتؤكد التقارير أن عرقلة سلطة بورتسودان لدخول خبراء البعثة الأممية ومنعهم من الوصول إلى موقع الأحداث يمثل قرينة إضافية على محاولة إخفاء المعالم وإبعاد الشبهات الجنائية عن القادة العسكريين والميدانيين المتورطين في إصدار الأوامر والتنفيذ.
القصف العشوائي وتدمير البنية التحتية: أرقام رسمية توثق حجم السجل الجرمي للجيش
ولا تنفصل اتهامات الأسلحة الكيميائية عن السجل الواسع من الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الجيش السوداني والطيران الحربي التابع له بحق المدنيين والبنية التحتية منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.
ووفقًا للأرقام الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والمفوضية السامية لحقوق الإنسان في منتصف عام 2026، تسبب القصف الجوي العشوائي والبراميل المتفجرة التي ألقاها الجيش على الأحياء السكنية المأهولة في مقتل أكثر من 18 ألف مدني مسجل رسميًا، وإصابة عشرات الآلاف بجروح وعاهات مستديمة.
ووثقت التقارير الأممية استهداف الطيران العسكري لأكثر من 120 مرفقًا صحيًا ومستشفى في الخرطوم ودارفور وكردفان، مما أدى إلى خروج 75% من القطاع الطبي عن الخدمة تمامًا، وحرمان الملايين من الرعاية الصحية الطارئة وسط تفشي الأوبئة والمجاعة.
كما أشارت تقارير منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” والشبكة الشبكية للرصد الحقوقي إلى أن سلاح الجو التابع للبرهان اعتمد استراتيجية الأرض المحروقة عبر القصف المكثف للمرافق الحيوية ومحطات المياه والكهرباء والأسواق الشعبية ومحطات التزود بالوقود.
ووفقًا للتقرير الدليلي الصادر عن المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، بزيادة التواريخ الموثقة خلال عامي 2025 و2026، أسفر القصف العسكري المتواصل عن نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان ولجوء أكثر من 2.5 مليون آخرين إلى دول الجوار، في أكبر أزمة نزوح بشري يشهدها العالم في التاريخ الحديث.
وتؤكد هذه الأرقام المفزعة أن الانتهاكات لم تكن مجرد أخطاء هامشية أو تصرفات فردية، بل كانت سلوكًا منهجيًا مقصودًا لإلحاق أقصى درجات الضرر بالحاضنة الاجتماعية وتدمير مقومات الحياة الأساسية.
تغييب الرقابة ونفوذ التيار الإسلامي: عقبات أمام مسار الحماية وتمديد البعثة الأممية
ترتبط عرقلة التحقيقات الدولية وتزايد استخدام الأسلحة المحرمة بالتغلغل الواسع لقيادات الحركة الإسلامية وعناصر النظام السابق داخل مؤسسة الجيش وأجهزة القرار في بورتسودان. وتؤكد تقارير الخبراء الدوليين والمحللين السياسيين المختصين بالشأن السوداني أن كتائب تنظيمية متطرفة، مثل “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها من الفصائل الأيديولوجية المسلحة، أصبحت تخوض المعارك جنبًا إلى جنب مع الجيش وتتحكم في توجيه الضربات الميدانية والقرارات الأمنية.
ويسعى هذا التيار الأيديولوجي إلى إدامة أمد الحرب وإفشال أي مبادرات دولية أو إقليمية للحل السلمي ووقف إطلاق النار، خوفًا من خضوع قياداته للمحاسبة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في العهد السابق وأثناء الحرب الحالية، مما يدفع السلطة العسكرية لتعطيل المبادرات الأممية وحرمان البعثات الدولية من أدوات العمل.

