ذات صلة

جمع

خيوط التخريب في تونس.. كيف تحاول حركة النهضة الإخوانية إشعال الفوضى؟

تواجه الدولة التونسية مخططات تخريبية مدبرة تستهدف شبكات المياه...

من أزمة التمويل إلى عجز التجارة.. ما الذي يحتاجه الاقتصاد التونسي لاستعادة عافيته؟

تعصف بالدولة التونسية موجات متلاحقة من الأزمات الاقتصادية المركبة...

أسعار العملات اليوم في مصر.. الدولار واليورو أمام الجنيه الأربعاء 16 سبتمبر 2026

تواصل أسعار العملات الأجنبية والعربية تحركاتها داخل السوق المصرفية...

صراع الصلاحيات يربك البرلمان الليبي.. هل يهدد الخلاف الداخلي تنفيذ اتفاق «4+4»؟

في لحظة فارقة تعيد رسم ملامح الخريطة السياسية في ليبيا وتضع مؤسساتها التشريعية على محك الاختبار المباشر، صوّت مجلس النواب الليبي بالإجماع، يوم الاثنين الموافق 14 سبتمبر 2026، على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغرة “4+4” خلال جلسة رسمية عُقدت بمقره في مدينة بنغازي برئاسة المستشار عقيلة صالح.

يأتي هذا القرار الحاسم ليفتح الباب واسعًا أمام مرحلة انتقالية جديدة تهدف للوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مهلة لا تتجاوز 24 شهرًا وتحت مظلة سلطة تنفيذية موحدة، إلا أن هذا الإجماع المعلن لم يخفِ حجم التصدعات الداخلية التي تشهدها المؤسسة التشريعية؛ إذ خيمت على المشهد مقاطعة 63 نائبًا للجلسة احتجاجًا على آلية إدارتها وترتيب أولويات جدول الأعمال.

وبينما يرى مراقبون أن اعتماد الاتفاق يشكل اختراقًا مهمًا في الجدار السياسي المتعثر منذ سنوات، تتجه الأنظار نحو مدى قدرة الأطراف الليبية والقوى الإقليمية الفاعلة على ترجمة هذه التوافقات إلى خطوات عملية تتجاوز عقدة الانقسام الداخلي وتضمن حماية الاستقرار.

تفاصيل التصويت ومقاطعة الـ63 نائبًا: صراع الإجراءات والأولويات داخل البرلمان

وأكد المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب والمتحدث الرسمي باسم المجلس عبد الله بليحق أن الاعتماد تم بالإجماع عقب انطلاق أعمال الجلسة المغلقة في بنغازي، للبدء في تنفيذ المخرجات التي صاغتها لجنة “4+4” المشتركة.

غير أن هذا الإعلان الرسمي اصطدم ببيان حاد أصدره 63 نائبًا أعلنوا فيه مقاطعتهم الصريحة للجلسة، مشيرين إلى أن قرارات الرئاسة تفتقر إلى التنسيق الشفاف وتتجاهل التفاهمات السابق إقرارها.

وأوضح النواب المعترضون في بيانهم المكتوب أن إعطاء الأولوية لبند تعديل اللائحة الداخلية للمجلس كان يمثل شرطًا أساسيًا وجوهريًا جرى التوافق عليه في جلسة رسمية سابقة قبل المضي قدمًا في أي استحقاق سياسي أو تصويت على اتفاقات جديدة.

وشدد المقاطعون على أن مخرجات لجنة “4+4” تحظى بالفعل بتأييد مبدئي واسع يصل إلى 111 عضوًا داخل البرلمان، إلا أن إصرار الرئاسة على قفز البنود المنظمة لعمل المجلس وتجاهل مطالبات الأعضاء بإدراج تعديل اللائحة أفقدا الجلسة أصولها الإجرائية السليمة، مما يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول مدى تماسك هذا الاعتماد وقدرته على الصمود أمام الطعون الداخلية.

ولم تقف اعتراضات الكتلة النيابية المقاطعة عند حدود الإجراءات الشكلية لإدارة الجلسات، بل امتدت لتشمل انتقادات حادة لأداء رئاسة المجلس وطريقة تعاطيها مع الأزمات المتعاقبة التي مرت بها البلاد، حيث عبر النواب عن أسفهم الشديد حيال استمرار تعطيل الجلسات الرسمية وغياب الاستجابة النيابية الفاعلة لسنوات طويلة.

ويرى محللون في الشأن الليبي أن المطالبة المستمرة بتعديل اللائحة الداخلية تعكس في جوهرها صراعًا عميقًا على صلاحيات إدارة البرلمان وتوزيع أدوار القرار بين رئاسة المجلس والكتل المختلفة، حيث تخشى الأطراف المعترضة من استخدام الاتفاقات السياسية الجديدة لتكريس نفوذ أحادي دون إتاحة المجال لإصلاح المؤسسة التشريعية من الداخل.

وبالتالي، فإن نجاح اتفاق “4+4” سيتوقف بدرجة أولى على قدرة قيادة البرلمان على احتواء هذا الغضب النيابي الداخلي، وإيجاد صيغة توافقية توازن بين معالجة الشؤون التنظيمية للمجلس والتزام الاستحقاقات الوطنية الشاملة.

خارطة الطريق الأممية وضوابط الـ24 شهرًا: تفكيك الألغام التشريعية وإعادة بناء المؤسسات

يستند اتفاق لجنة “4+4″، الذي وقّعت عليه الأطراف المعنية بالأحرف الأولى في 20 أغسطس 2026 بمقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونامي)، إلى حلحلة القضايا الخلافية الأكثر تعقيدًا في الإطارين القانوني والدستوري المنظمين للعملية الانتخابية.

وتهدف مخرجات هذه اللجنة المصغرة إلى استكمال الخطوات الأولى من خارطة الطريق الأممية المحدثة عبر معالجة ما توصف بـ”الألغام التشريعية” التي تسببت سابقًا في تعثر انتخابات ديسمبر 2021.

وينص الاتفاق الصريح على ضرورة إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتكريس الحيادية والنزاهة، إلى جانب وضع جدولة زمنية محددة وملزمة لا تتجاوز 24 شهرًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتوازي، شريطة أن تجرى هذه الانتخابات تحت مظلة سلطة تنفيذية جديدة وموحدة تحل محل الحكومتين القائمتين في الشرق والغرب وتتولى الإشراف المباشر على تهيئة الظروف الأمنية واللوجستية في كافة أنحاء البلاد.

ويتطلب المضي قدمًا في تطبيق هذا الاتفاق مصادقة رسمية متزامنة من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال مدة لا تتجاوز شهرًا واحدًا من تاريخ الاعتماد، لنقل المقترحات إلى مرحلة التنفيذ العملي.

ومع ذلك، تشير المعطيات الميدانية إلى وجود عقبات شائكة بدأت تطفو على السطح فور إعلان الاتفاق، أبرزها ملف إعادة تسمية رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات؛ حيث تفاجأت الأوساط السياسية بإصدار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قرارًا يتضمن إعادة تسمية عماد السايح رئيسًا للمفوضية، في حين نصت وثيقة اتفاق “4+4” على ترشيح ضو الهمالي لقيادة المؤسسة الانتخابية.

إضافة إلى ذلك، عبرت رئاسة المجلس الأعلى للدولة عن تحفظات مبدئية بشأن بعض بنود الاتفاق بدعوى عدم إتاحة الفرصة الكافية لدراستها ومناقشتها في جلسات عامة، مما يضع البعثة الأممية أمام اختبار صعب لتجسير الفجوات بين المؤسسات الرئيسية وضمان عدم تعطل الخارطة في مراحلها الأولى.

سيناريوهات المرحلة الانتقالية: بين ضمانات الاستقرار ومخاطر الفراغ السياسي

وتقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق حاسم يتوقف نجاحه على مدى قدرة القوى السياسية على تجاوز الصدامات الإجرائية والشخصية والانتقال نحو مرحلة بناء المؤسسات الجامعة.

إن اعتماد اتفاق “4+4″، بالرغم من كل التحفظات والاحتجاجات النيابية، يوفر فرصة متجددة لإعادة إحياء العملية الانتخابية تحت قيادة حكومة جديدة توحد الإدارة والمالية العامة وتحمي مقدرات الشعب الليبي.

إلا أن التحدي الحقيقي ينحصر في كسر حالة الانسداد القائم بين مجلسي النواب والدولة، وتفادي الشلل الذي قد ينتج عن المقاطعة النيابية الداخلية، لا سيما إذا ما اتجهت الكتلة المعترضة إلى اتخاذ خطوات تصعيدية تشمل المطالبة بتغيير هيئة رئاسة المجلس أو التشكيك في قانونية جلساته المقبلة.

إن تغليب المصلحة الوطنية وتوفير الإرادة السياسية الصادقة يمثلان الشرط الأول لمنع عودة البلاد إلى مربع الاقتتال الداخلي أو الانقسام الحكومي المزدوج. ويفرض هذا الواقع على كافة الأطراف الليبية، مدعومة بشركائها الدوليين والإقليميين، العمل الجاد على تنفيذ التزامات اتفاق “4+4” ضمن الجداول الزمنية المحددة، وتهيئة بيئة أمنية وقانونية تسع الجميع وتضمن تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة وتصون سيادة ليبيا واستقلال قرارها الوطني.