تتواصل المعاناة الإنسانية والمعيشية للمواطنين في العاصمة الليبية طرابلس وعدد من المدن الغربية، لتصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة مع بلوغ صيف ليبيا ذروته وسط انقطاعات متكررة ومتطاولة للتيار الكهربائي وأزمات مياه خانقة تشلل الحياة اليومية بالكامل.
وتكشف تقارير أممية وحقوقية صادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن تفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة استمرار سيطرة الميليشيات المسلحة على المرافق الخدمية الحيوية، واستخدام البنية التحتية كورقة ضغط وصراع نفوذ، مما أدى إلى حرمان ملايين المدنيين من أبسط حقوقهم الأساسية في الحصول على المياه النظيفة والتيار الكهربائي المستقر.
وتشير التقارير الرسمية والأممية الصادرة إلى أن منظومة النهر الصناعي العظيم، الذي يُعد الشريان المائي الأساسي لتغذية العاصمة طرابلس ومدن الساحل الغربي، تتعرض باستمرار لضغوط أمنية واعتداءات تخريبية مسلحة من قبل مجموعات خارجة عن القانون، مما يتسبب في توقف عمليات الضخ لفترات طويلة.
وقد وثقت تقارير حقوقية دولية ومحلية خلال شهر يوليو من العام الماضي 2025 وفي تقارير المتابعة لمنتصف العام الجاري 2026، وقوع عشرات الاعتداءات المسلحة على محطات توليد الطاقة الكهربائية وشبكات نقل التوزيع في طرابلس ومحيطها، وهو ما أدى إلى خروج محطات رئيسية عن الخدمة بالكامل لأسابيع متتالية، مفاقمة بذلك من جحيم الانقطاعات التي تتجاوز في كثير من الأحيان 12 ساعة يوميًا وسط حرارة شديدة.
العطش يهدد العاصمة: استهداف النهر الصناعي وتداعيات الانقطاع المائي
لا يقتصر جحيم الصيف في طرابلس على الظلام فحسب، بل يمتد ليتحول إلى أزمة عطش حقيقية تهدد حياة السكان، حيث تشهد أحياء العاصمة المختلفة شحًا حادًا في مياه الشرب نتيجة توقف محطات التحلية ومضخات الخط الرئيسي للنهر الصناعي العظيم بفعل الانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي واعتداءات المسلحين على صمامات التحكم الرئيسية.
وتؤكد بيانات منظمة اليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقارير ميدانية سابقة، أن تعطل الإمدادات المائية المنتظمة يضع أكثر من مليوني نسمة في طرابلس الكبرى في دائرة الخطر الصحي والإنساني، لا سيما مع اعتماد آلاف الأسر على صهاريج المياه التجارية باهظة الثمن والتي تشهد ارتفاعًا جنونيًا في أسعارها بسبب أزمة الوقود واحتكار السوق من قبل شبكات التهريب المدعومة ميليشياويًا.
ويؤكد خبراء البيئة والمياه في ليبيا، أن استمرار العبث بمقدرات قطاع المياه يمثل جريمة منظمة ترتكبها الميليشيات الساعية لفرض سيطرتها بالقوة، مشيرين إلى أن شبكات المياه والصرف الصحي في طرابلس تعاني من إهمال هيكلي وتصدع متزايد نتيجة غياب أعمال الصيانة الدورية وافتقار الجهات الرسمية للقدرة على تأمين الفرق الفنية والهندسية أثناء قيامها بإصلاح الأعطال الفنية والخطوط المتضررة.
وأضاف الخبراء، أن هذه الاعتداءات لا تتسبب فقط في تعطيل إمدادات المياه، بل تؤدي أيضًا إلى تسرب كميات هائلة من المياه العذبة وهدر الموارد المائية الشحيحة في بلد يعتمد أساسًا على المياه الجوفية غير المتجددة ومشاريع النهر الصناعي العملاقة.
الكهرباء في مهب الفوضى: غياب المشاريع واستمرار الابتزاز المسلح
تتجلى أزمة قطاع الكهرباء في طرابلس كأحد أبرز مظاهر الانهيار الاقتصادي والإداري الذي تعاني منه الدولة الليبية، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في وضع خطط استراتيجية حقيقية لإنهاء كابوس طرح الإحمال والانقطاعات المتكررة التي تطال المنازل والمستشفيات والمنشآت الحيوية على حد سواء.
وفي هذا السياق، توضح تقارير ديوان المحاسبة الليبي أن قطاع الكهرباء استنزف مليارات الدولارات دون تحقيق أي استقرار فعلي في شبكة التوليد، وذلك بسبب عقود الوهم والفساد المالي المستشري وسيطرة جهات مسلحة على مخصصات التشغيل والصيانة، مما جعل الشبكة الكهربائية عاجزة تمامًا عن تغطية حجم الطلب المتزايد خلال فصل الصيف نتيجة الاستهلاك المرتفع لوسائل التكييف.
ويعاني قطاع الصحة في العاصمة طرابلس وبقية المدن الغربية من تداعيات كارثية جراء انقطاع الكهرباء، حيث تتعرض أقسام العناية الفائقة وغرف العمليات والحضانات في المستشفيات الحكومية لتهديدات مستمرة تهدد حياة المرضى، على الرغم من الاعتماد على المولدات الاحتياطية التي تواجه بدورها أزمة نقص حاد في إمدادات الوقود والديزل بسبب عمليات النهب والتهريب المنظم التي تقودها التشكيلات المسلحة المسيطرة على الطرق الرئيسية ومستودعات التخزين.
ويرى مراقبون محليون، أن أي محاولة جدية لحل أزمة الكهرباء والمياه في طرابلس ستظل حبرًا على ورق ما لم تقترن بفرض سيادة القانون، وتفكيك الميليشيات المسلحة، وإبعاد المرافق الحيوية عن دائرة الصراع السياسي والعسكري المدمر الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط وحده.
وتتطلب معالجة الأزمات المعيشية المتفاقمة في العاصمة طرابلس، وعلى رأسها انقطاع الكهرباء وشح المياه، إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق أي حسابات حزبية أو جهوية ضيقة، والبدء الفوري بخطط عاجلة للتعافي الخدمي.
ويشدد خبراء الاقتصاد والطاقة على ضرورة تأمين شبكات النهر الصناعي ومحطات توليد الكهرباء بقوة عسكرية نظامية محايدة، بمنع أي تشكيل مسلح من الاقتراب من هذه المنشآت الاستراتيجية، واعتبار الاعتداء عليها جرائم حرب لا تسقط بالتقادم.
كما تتطلب المرحلة الراهنة تفعيل الرقابة الدولية والمحلية الصارمة على عقود صيانة قطاع الكهرباء والمياه، ومحاسبة شبكات الفساد والتهريب التي تستنزف مقدّرات الليبيين وتراكم الثروات على حساب معاناتهم اليومية تحت لهيب صيف طرابلس القائظ.

