ذات صلة

جمع

لعبة الدروع البشرية.. لماذا يُحاصر الجيش سكان “الأبيض” ويمنع نزوحهم؟

"في مدينة "الأبيض" شمالي كردفان، لم يعد المدنيون مجرد...

خيوط التعطيل.. لماذا يرى الإخوان في استقرار ليبيا “تهديدًا وجوديًا”؟

في لحظة تاريخية فارقة، تقف ليبيا على أعتاب تحول...

خلف ستار “الحماية”.. كيف يستخدم الجيش السوداني مدنيي الأبيض دروعًا بشرية؟

في وقت تتصاعد فيه نداءات المنظمات الإنسانية الدولية بضرورة...

لعبة الدروع البشرية.. لماذا يُحاصر الجيش سكان “الأبيض” ويمنع نزوحهم؟

“في مدينة “الأبيض” شمالي كردفان، لم يعد المدنيون مجرد ضحايا للنزاع المسلح العابر، بل تحولوا إلى ورقة ضغط استراتيجية في حسابات القوات المسلحة السودانية، بينما يُروج الخطاب الإعلامي للجيش عن حرصٍ مزعوم على سلامة المواطنين، تكشف الوقائع الميدانية على الأرض سياسة احتجاز قسرية تُغلق أمام الأهالي أبواب النجاة؛ مانعةً إياهم من النزوح نحو ملاذات أكثر أمنًا.

هذا التناقض الصارخ بين الوعود الإعلامية والواقع العسكري يطرح تساؤلات ملحة حول ‘سياسة الدرع البشري’ التي أصبحت ملمحًا ثابتًا في هذه الحرب، مما يضع قيادة الجيش أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية عن كل لحظة يقضيها هؤلاء المدنيون رغمًا عنهم تحت حصارٍ لا يرحم.

الحصار الميداني: سياسة تقييد الحركة وتجريد المدنيين من حق النجاة

وتفيد التقارير الميدانية والشهادات الموثقة التي رصدتها منظمات حقوقية، بأن القوات المسلحة السودانية تفرض قيودًا مشددة على مخارج مدينة الأبيض، مما يمنع آلاف الأسر من الفرار إلى مناطق آمنة.

هذا الإجراء يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تحشيدات عسكرية مكثفة، وهو ما يثير المخاوف من أن وجود المدنيين داخل المدينة يُستخدم غطاءً لتنفيذ عمليات عسكرية، وهو ما يُعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني.

إن منع المدنيين من مغادرة مناطق العمليات العسكرية يُصنف قانونيًا كإجراء يضع المدنيين في خطر مباشر، ويحولهم إلى دروع بشرية تعيق العمليات العسكرية للطرف الآخر وتمنح الجيش السوداني ميزة استراتيجية تكتيكية على حساب أرواح المدنيين.

انتهاكات موثقة: أرقام وتقارير أممية تدين استهداف المدنيين

وتستند التحذيرات الدولية إلى سجل حافل من الانتهاكات التي وثقتها الهيئات الأممية. في تقرير صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة في يونيو 2026، أعرب المفوض السامي فولكر تورك عن قلقه البالغ إزاء تصاعد الهجمات الجوية التي يشنها طيران الجيش السوداني، والتي استهدفت مرافق طبية وأسواقًا مكتظة في ولاية شمال كردفان.

التقرير الأممي أشار إلى أن الهجمات الجوية التي نفذها الجيش السوداني أسفرت عن مقتل وإصابة المئات، مؤكدًا أن قصف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات التي توقفت عن العمل نتيجة القصف المباشر، يمثل جريمة حرب بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

علاوة على ذلك، أشار التقرير الصادر عن بعثة تقصي الحقائق المستقلة في يوليو 2026، إلى رصد حالات دقيقة لاستخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، حيث تمنع نقاط التفتيش التابعة للجيش وصول قوافل المساعدات الإنسانية والوقود للمدن المحاصرة، مما أدى إلى انهيار المنظومة الصحية تمامًا.

الأرقام الواردة في التقرير تفيد بأن أكثر من 80% من المرافق الصحية في شمال كردفان باتت خارج الخدمة، وهو ما يعكس استراتيجية “التجويع والمنع” التي يمارسها طرف النزاع للسيطرة على الحواضن الاجتماعية.

تصريحات دولية وحقوقية: الحاجة إلى تحقيق مستقل

لم تكن هذه الانتهاكات بمعزل عن الرصد الدولي؛ إذ شدد مجلس حقوق الإنسان في جلسته العاجلة في يوليو 2026 على ضرورة إجراء تحقيقات دولية مستقلة في الجرائم المنسوبة للقوات المسلحة السودانية.

وأكد الخبراء القانونيون المشاركون في الجلسة، أن “منع المدنيين من النزوح وتعمّد إبقائهم في مناطق القتال يعد انتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف الأربع”، مطالبين بضرورة تفعيل آليات حماية فورية وتشكيل لجان مراقبة دولية لفتح ممرات إنسانية آمنة تضمن خروج العائلات قبل فوات الأوان.

التناقضات الإعلامية: بين الخطاب الإنساني والواقع الميداني

وتسعى الرواية الإعلامية التي تروج لها قيادة الجيش السوداني والمنابر الإعلامية المحسوبة على “الإسلاميين” إلى تصوير وجود المدنيين في “الأبيض” كـ “حالة وطنية”، بينما الواقع يكشف أنها عملية استغلال سياسي.

التناقض يظهر جليًا عندما تطلق الأبواق الإعلامية تحذيرات من “هجوم وشيك”، بينما يتم في الوقت ذاته إغلاق منافذ النجاة أمام السكان.

إن هذا التوظيف الإعلامي يهدف إلى تحميل الطرف الآخر المسؤولية مسبقًا عن أي ضحايا مدنيين قد يسقطون نتيجة العمليات العسكرية للجيش، مما يجعل من مدينة الأبيض مختبرًا لصناعة الروايات الجاهزة التي تستهدف الرأي العام الدولي، متجاهلين أن الحماية الحقيقية للمدنيين هي التي تضمن لهم حق المغادرة، لا حق البقاء تحت النار.

مستقبل المدنيين في ظل استمرار سياسة “الرهائن”

كما أن السياسات التي تتبعها قيادة الجيش السوداني في شمال كردفان، وتحديدًا في مدينة الأبيض، لا تترك مجالاً للشك بأن المدنيين قد أصبحوا جزءًا من الحسابات العسكرية، ما لم يتدخل المجتمع الدولي بضغط حقيقي لإجبار أطراف النزاع على فتح ممرات آمنة، فإن الأرقام المرشحة للارتفاع في عداد الضحايا ستكون شاهدًا على واحدة من أكثر الفصول قسوة في هذه الحرب.

إن المحاسبة الدولية، المدعومة بالتقارير الأممية الموثقة، باتت ضرورة أخلاقية وقانونية لضمان عدم إفلات المتورطين في جرائم استخدام المدنيين كدروع بشرية من العقاب.