ذات صلة

جمع

خلف ستار “الحماية”.. كيف يستخدم الجيش السوداني مدنيي الأبيض دروعًا بشرية؟

في وقت تتصاعد فيه نداءات المنظمات الإنسانية الدولية بضرورة...

حصار الأبيض.. كيف يضلل الجيش السوداني الرأي العام لشرعنة الانتهاكات؟

تتصاعد حدة التوترات الميدانية في مدينة الأبيض بولاية شمال...

مباريات اليوم.. البرازيل تواجه النرويج والمكسيك أمام إنجلترا في المونديال

تشهد الملاعب العالمية عدد من المباريات القوية الأحد 5...

أسعار الذهب في الأسواق العربية.. استقرار وترقب لتحركات جديدة

تشهد أسعار الذهب اليوم الأحد، 5 يوليو 2026، في...

“الكهرباء” في ليبيا.. أزمة مزمنة تبتلع المليارات وتغرق المدن في العتمة

بينما تقبع ليبيا فوق ثاني أكبر احتياطي نفطي في قارة أفريقيا، يجد المواطن الليبي نفسه محاصرًا في صيف خانق، حيث تبتلع أزمة الكهرباء المزمنة أحلامه البسيطة في عيش كريم، إذ أصبحت “العتمة” قدرًا يوميًا يطارد المدن من بنغازي شرقًا إلى طرابلس غربًا وصولاً إلى أقاليم الجنوب المنكوبة، وسط عجز حكومي مطبق عن إيجاد حلول جذرية تخرج البلاد من نفق الانقطاعات المتكررة، والتي ما تزال تحصد المليارات من ميزانية الدولة دون أثر ملموس على جودة الحياة.

فاتورة الفشل: مليارات تبخرت والظلام مستمر

تؤكد تقارير “ديوان المحاسبة الليبي” الصادرة في تقريره الختامي لعام 2024، أن الحكومة قد أنفقت ما يزيد عن 24 مليار دينار ليبي لصالح الشركة العامة للكهرباء، وهو رقم فلكي يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى هذه الأموال، خاصة في ظل استمرار المعاناة اليومية للمواطنين.

ويشير المحللون إلى أن هذا الإنفاق الضخم لم يترجم إلى بنية تحتية مستدامة، بل ذهب في دوامة من الفساد الإداري وسوء التخطيط، حيث يرى عضو مجلس النواب، ميلود الأسود، أن غياب الرؤية الاستراتيجية وتراجع الكفاءة في المناصب القيادية بشركة الكهرباء هما المحرك الأساسي للأزمة، مما يعكس بوضوح أزمة إدارة الموارد لا أزمة موارد ذاتها.

معاناة الجنوب: 340 ساعة من الحرمان والحق في الحياة

في الجنوب الليبي، وتحديدًا في بلديات غات، العوينات، تهالة، والبركت، تجسدت المأساة في أبهى صورها القاسية، حيث وثقت “غرفة طوارئ بلدية غات” تعرض أكثر من 40 ألف مواطن لانقطاع تام للتيار الكهربائي لأكثر من 340 ساعة متواصلة.

تشير تقارير حقوقية محلية إلى أن هذه الانقطاعات لم تكن مجرد إزعاج تقني، بل تحولت إلى كارثة إنسانية، حيث اضطرت العائلات التي لديها حالات طبية حرجة تعتمد على أجهزة التنفس الصناعي إلى النزوح القسري من ديارهم للبحث عن مكان فيه كهرباء، في انتهاك صارخ للحق الأساسي في الصحة والسلامة البدنية الذي نصت عليه المواثيق الدولية، لا سيما “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” الذي صادقت عليه العديد من المنظمات الأممية التي ترصد الواقع الليبي.

تفاقمت الأزمة بعد القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بترشيد استهلاك الوقود، والتي أدت إلى أزمة خانقة في توفير الديزل، مما جعل المواطن البسيط فريسة سهلة لمافيات السوق السوداء.

غياب الرؤية الوطنية وأزمة الطاقات المتجددة

على الرغم من الإمكانات الشمسية والجغرافية الهائلة التي تمتلكها ليبيا، إلا أن التقارير الفنية للأمم المتحدة المعنية بقطاع الطاقة في ليبيا (UNDP) تشير إلى وجود فجوة كبيرة في الاعتماد على الطاقات المتجددة، وهو ما يعتبره البرلماني ميلود الأسود دليلاً على غياب الخطط الاستراتيجية.

إن استمرار الاعتماد الكلي على الشبكة التقليدية المتهالكة، مع رفض التوسع في تقنيات الطاقة الشمسية، يجعل من شبكة الكهرباء الليبية “جثة هامدة” لا تقوى على مواكبة الطلب المتزايد بسبب التوسع العمراني، وهو ما يجعل من إصلاح هذا القطاع ضرورة لا تقبل التأجيل، لضمان عدم بقاء المواطن رهينة لقرارات إدارية فاشلة أو تقلبات مناخية تزيد من وطأة الحرارة في صيف صحراوي لا يرحم.

ضرورة المساءلة: هل من مخرج للظلام؟

تستوجب هذه الوقائع الموثقة تدخلات دولية ووطنية عاجلة، ليس فقط لدعم البنية التحتية، بل لضمان الشفافية في إنفاق المليارات التي تخصص لقطاع الكهرباء، حيث تظل شبهات الفساد في شركة الكهرباء والديوان المسؤول عن التوزيع هاجسًا يؤرق المجتمع الليبي.

إن استعادة ثقة المواطن تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى كشف مصير الـ 24 مليار دينار، وربط أي استثمارات قادمة في هذا القطاع بمعايير صارمة للمساءلة والمتابعة الفنية، لضمان أن ينعم الليبيون بحقهم المشروع في الحصول على الطاقة التي توفرها لهم ثروات بلادهم الطبيعية، بدلاً من بقائهم تحت رحمة المولدات الكهربائية التي تزيد من أعبائهم المالية وتفاقم من سوء أحوالهم المعيشية.

spot_img