ذات صلة

جمع

بين الجوع والخنادق.. كيف دمر الجيش السوداني مستقبل النساء في مناطق النزاع؟

في مشهد يتجاوز كل الخطوط الحمراء التي رسمتها المواثيق...

من حظر السفر إلى قطع البث.. هل فقدت طهران القدرة على إدارة ملف التفاوض؟

في مشهد يعكس عمق التصدعات داخل بنية النظام الإيراني،...

“سموم على المائدة الليبية”.. كيف تحولت المحاصيل الزراعية إلى تهديد وجودي؟

في واقعة تعيد فتح جروح الأمن الغذائي المفتوحة منذ سنوات، استفاق الشارع الليبي على كارثة صحية بكل المقاييس، بعد أن كشفت نتائج التحقيقات الرسمية عن تلوث مروع للمحاصيل الزراعية التي تملأ أسواق البلاد، مما وضع صحة الملايين على حافة الخطر المباشر.

لم يعد الحديث هنا عن مجرد أزمة اقتصادية أو نقص في التوريدات، بل أصبح الأمر يتعلق بـ “سموم” تغلغلت داخل الخضروات والفواكه اليومية، حيث أثبتت تحليلات النيابة العامة أن 65 في المائة من عينات المحاصيل المتداولة تحتوي على متبقيات مبيدات زراعية محظورة دوليًا ومصنفة كمواد مسرطنة ومطفرة، مما يعيد التذكير بتقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة الفاو حول مخاطر الاستخدام غير المنظم للمواد الكيميائية في مناطق النزاعات.

فوضى الرقابة: كيف نفذت المواد المسرطنة إلى العمق الليبي؟

وأشارت التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة منذ فبراير 2026 إلى وجود خلل هيكلي في منظومة الرقابة على المنافذ، حيث سمحت الثغرات الأمنية والحدود المفتوحة بدخول مبيدات لا تحمل أي بيانات تعريفية أو مكونات فعالة معتمدة.

وقد أكدت تقارير أممية سابقة حول ليبيا، أن غياب الدولة المركزية القوية قد حول البلاد إلى “ساحة مباحة” لتداول المواد الخطرة، حيث تستغل شبكات التهريب غياب التفتيش الفني الدقيق لإدخال مواد محظورة بموجب “اتفاقية روتردام” بشأن إجراءات الموافقة المسبقة عن علم لبعض المواد الكيميائية الخطرة، مما يفاقم من معاناة المواطنين الذين يواجهون أصلاً ضعفًا في الخدمات الصحية.

تقارير طبية وحقوقية: التداعيات الصحية على المدى الطويل

وتحذر الدراسات التي أجراها باحثون في مركز البحوث الزراعية من أن استهلاك المواد الغذائية المحملة بمتبقيات مبيدات مسرطنة يؤدي إلى تراكم سموم في الأنسجة الحيوية، مما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة واختلالات الغدد الصماء والأورام السرطانية، خاصة لدى الأطفال والنساء الحوامل.

وتشير تقارير حقوقية صادرة عن هيئات محلية إلى أن هذا الوضع يمثل انتهاكًا صارخًا لـ “الحق في الغذاء الآمن” و”الحق في الصحة” المنصوص عليهما في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يحمل السلطات المعنية المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور في المعايير الصحية والبيئية.

ما وراء الأزمة: صراعات المصالح وانهيار المنظومة الزراعية

ويرى الخبراء، أن الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لتغييب الكفاءات المهنية عن إدارة سوق المبيدات والأسمدة، حيث تدار معظم منافذ البيع اليوم بواسطة أشخاص غير مؤهلين علميًا، بعيدًا عن إشراف المهندسين الزراعيين الذين يفترض بهم تقديم الإرشادات حول فترات الأمان للمحاصيل.

خطوات الإنقاذ: هل تنجح الحملة الرقابية في حماية المواطن؟

وسارع النائب العام المستشار الصديق الصور إلى عقد اجتماعات طارئة لتوحيد جهود وزارة الزراعة، الاقتصاد، والبيئة، بالإضافة إلى أجهزة الحرس البلدي والرقابة على الأغذية، بهدف وضع خارطة طريق لتحديث قوائم المبيدات المحظورة وضمان مراقبة صارمة على كافة عمليات الاستيراد.

ومع ذلك، يؤكد المراقبون أن الإجراءات الأمنية وحدها ليست كافية، إذ تتطلب الأزمة إصلاحًا جذريًا يمنع دخول أي شحنة دون إخضاعها للفحص المخبري في منافذ الدخول، وتفعيل العقوبات الرادعة ضد التجار الذين يحولون “الغذاء” إلى أداة للربح غير المشروع على حساب حياة الناس، وهو ما يظل مطلبًا شعبيًا ملحًا في ظل توالي التحقيقات التي بدأت تطال شخصيات عامة وشركات كبرى متورطة في هذا الملف الحساس.

إن أزمة “المبيدات المسرطنة” في ليبيا ليست مجرد قضية فنية أو قانونية، بل هي قضية “أمن قومي” بامتياز، فغذاء المواطن هو الخط الدفاعي الأول عن صحته، وانهيار هذا الخط يعني مواجهة مع جيل كامل من الأمراض التي يصعب التنبؤ بمدى انتشارها إذا لم تُتخذ قرارات شجاعة بوقف نزيف الفساد في قطاع الاستيراد الزراعي فورًا.