تخوض الدولة الليبية منعطفاً تاريخياً بالغ الخطورة في ظل تصاعد غير مسبوق في حدة العنف والفوضى الأمنية التي تقودها التشكيلات المسلحة والميليشيات العابثة بمقدرات البلاد، مما يعصف بالاستقرار الهش ويهدد بإجهاض كافة المساعي السياسية الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام المؤسسي والسياسي المستمر منذ سنوات طويلة.
ومع تفاقم الأزمات المعيشية وتدهور الخدمات الأساسية وانهيار سعر صرف العملة المحلية بالتزامن مع استقالة محافظ المصرف المركزي، تتكشف بوضوح مساعي الأطراف المستفيدة من حالة الفوضى لتقويض أي تسوية وطنية شاملة.
وفي قلب هذه التطورات الميدانية المتلاحقة، تقف «المبادرة الأميركية» التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، أمام اختبار مصيري حاسم؛ فهل ستنجح هذه الجهود الدبلوماسية في تفكيك طوق الأزمات وفرض سلطة تنفيذية ومؤسسة عسكرية موحدة، أم ستتكسر صخرة التجاذبات الحزبية وجرائم الميليشيات على أعتاب الدولة المنشودة، وإن الواقع الليبي الراهن يفرض على المجتمع الدولي والأطراف الفاعلة ضرورة حتمية للتحرك السريع والعاجل لمحاسبة المعرقلين وتجفيف منابع تمويل الفساد، حمايةً لما تبقى من أمل في بناء دولة القانون والمؤسسات.
تصاعد العنف المسلح واستهداف البنى التحتية
وشهدت الساحة الميدانية في ليبيا خلال الآونة الأخيرة تطورات أمنية بالغة الخطورة عكست مدى هشاشة الوضع الأمني وقدرة الميليشيات والتشكيلات المسلحة على توجيه ضربات مباشرة لركائز الاستقرار في شطري البلاد.
ففي المنطقة الغربية، تحولت مدينة الزاوية إلى مسرح لاشتباكات مسلحة دامية استخدمت فيها، ولأول مرة، الطائرات المسيرة في استهداف ممنهج لمصفاة النفط والمنشآت الحيوية للطاقة، وهو ما وصفته وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية في بيان رسمي بأنه «عمل عدائي ممنهج» مدعوم من جهات خارجية تسعى لإحداث شلل كامل في قطاع الاقتصاد والوقود.
وفي التوقيت ذاته، تعرضت مدينة بنغازي شرقاً لضربة أمنية موجعة تمثلت في اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية التابع للقيادة العامة للجيش الوطني، إثر تفجير إرهابي استهدف سيارته. وتؤكد هذه الأحداث المأساوية، التي وثقتها تقارير حقوقية ومحلية معتمدة، أن الاقتتال المحتدم لم يعد مجرد صراع نفوذ تقليدي، بل تحول إلى حرب مفتوحة على مقدرات الشعب الليبي ومؤسساته السيادية.
تقارير أممية ودولية موثقة.. حجم الخسائر الاقتصادية وتداعيات الشلل المؤسسي في ليبيا
وتستند التقييمات الاقتصادية الدقيقة للوضع في ليبيا إلى سجل واسع وثقته التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والتقارير الدولية المعنية بالشأن الاقتصادي لعام 2026، والتي أكدت أن الصراع المسلح وتدخلات التشكيلات غير النظامية قد تسببت في خسائر مادية تجاوزت مليارات الدولارات في قطاع النفط والغاز والبنى التحتية الأساسية.
وأوضح تقرير صادر عن البنك الدولي بالتعاون مع لجان الأمم المتحدة الاقتصادية في منتصف عام 2026 أن استمرار الانقسام المالي والمؤسسي بين الإدارات المختلفة في شرق البلاد وغربها أدى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي، واختلاس الإيرادات العامة، وتفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود بشكل غير مسبوق.
وأشارت التقارير الحقوقية الموثقة إلى أن الميليشيات المسلحة في مدينة الزاوية ومناطق الغرب الليبي تستغل عوائد التهريب والسيطرة غير المشروعة على الموانئ لتمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها على حساب معيشة المواطنين، مما جعل الاقتصاد الليبي رهينة لأجندات عصابات الجريمة المنظمة والجهات المتورطة في تقويض جهود التنمية والاستقرار.
مصير المبادرة الأميركية.. هل تفلح جهود مسعد بولس في كبح جماح الفوضى؟
تثير التطورات الميدانية المتسارعة تساؤلات ملحة حول مصير «المبادرة الأميركية» التي يرعاها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، والتي تهدف إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو انتخابات برلمانية ورئاسية شاملة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن تصاعد العنف المزدوج في الشرق والغرب يعكس محاولات مستميتة من أطراف داخلية وخارجية لعرقلة المبادرة وإجهاضها غايةً في حماية مصالحها الضيقة وغياب الضمانات الكفيلة بتحقيق طموحاتها.
آفاق الحل الشامل.. حتمية إنهاء هيمنة الميليشيات وبناء الدولة الوطنية الموحدة
وتفرض التحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة الليبية اليوم ضرورة وطنية ملحة لتوحيد الصفوف وتضافر الجهود الإقليمية والدولية لاجتثاث جذور الميليشيات المسلحة وتفكيك شبكات الجريمة والفساد التي تعبث بأمن المواطنين.
إن تجربة السنوات الماضية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن استمرار الوصاية المسلحة والعبث بمؤسسات السيادة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي والانهيار المعيشي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، يتصاعد الوعي الشعبي والوطني المطالب بضرورة إسقاط كافة الذرائع التي تستخدمها الأطراف المعرقلة لمصالحها الشخصية والحزبية، والالتفاف حول مشروع الدولة المدنية الدستورية العادلة التي تكفل سيادة القانون وحماية مقدرات الشعب.
إن ليبيا بتاريخها وحضارتها وموقعها الاستراتيجي تستحق مستقراً آمناً يضمن لأجيالها القادمة العيش الكريم في ظل مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية خالصة، بعيداً عن سطوة السلاح المنفلت والتدخلات الخارجية المقيتة.

