ذات صلة

جمع

مستقبل ليبيا على محك الحوار السلمي.. هل تصمد المخرجات الأممية أمام هيمنة السلاح المنفلت؟

على وقع التجاذبات السياسية المسلحة وسطوة الميليشيات التي أثقلت...

محمود الأيباري على قائمة العقوبات.. كيف تضرب واشنطن شرايين تمويل الإخوان؟

في خطوة استراتيجية حاسمة تعيد رسم خارطة الرقابة المالية...

استراتيجية خبيثة للتوغل.. كيف تتسلل جماعة الإخوان إلى مفاصل الدولة الألمانية؟

تخوض الدولة الألمانية اليوم معركة وجودية صامتة ولكنها بالغة...

مستقبل ليبيا على محك الحوار السلمي.. هل تصمد المخرجات الأممية أمام هيمنة السلاح المنفلت؟

على وقع التجاذبات السياسية المسلحة وسطوة الميليشيات التي أثقلت كاهل الشارع الليبي لسنوات طويلة من الفوضى والانهيار، تقف ليبيا اليوم على أعتاب منعطف تاريخي حاسم قد يعيد رسم ملامح مستقبلها السياسي والأمني.

فمن أروقة العاصمة الإيطالية روما إلى جولات تفاوض ماراثونية احتضنتها تونس تحت مظلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تخوض الأطراف الوطنية معركة شرسة لفك طلاسم الأزمة المزمنة وتجاوز عقدة “القوة القاهرة” التي طالما عطلت أحلام الملايين في الوصول إلى صناديق الاقتراع.

وفي قلب هذا المخاض الاستثنائي، تبرز التحديات الأمنية والجرائم الممنهجة التي ترتكبها الميليشيات المسلحة لعرقلة أي توافق وطني يقوض مصالحها غير المشروعة، مما يضع المتابع والقارئ أمام مشهد بالغ التعقيد والتشويق يحمل في طياته خبايا صراع إرادات محتدم بين قوى البناء الديمقراطي وقوى الشد العكسي المدججة بالسلاح.

مسار تفاوضي شاق من روما إلى تونس: إنجازات لجنة «4+4» وتجاوز عقبات المفوضية

حيث تُظهر التطورات المتلاحقة في الملف الليبي خلال منتصف عام 2026 نجاح اللجنة المصغرة المشتركة «4+4» في تسجيل اختراق جوري غير مسبوق بملف الانتخابات، وذلك بعد أشهر طويلة من الحوارات الشاقة التي انطلقت شرارتها الأولى في العاصمة الإيطالية روما نهاية أبريل الماضي.

وتشير تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الصادرة في ختام جولاتها التفاوضية السابعة في تونس، إلى أن المجتمعين توصلوا إلى آلية دقيقة وحاسمة لتعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كخطوة استراتيجية تزيل إحدى أشرس العقبات القانونية والفنية أمام استكمال خارطة الطريق الأممية.

وقد جاء هذا التقدم المتدرج تتويجًا لتوافقات سابقة شملت إعادة هيكلة مجلس المفوضية، وإنجاز القوانين المنظمة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، مما يعكس بحسب المحللين رغبة حقيقية في مغادرة خندق الانقسام والانتقال من مرحلة التفاوض النظري على الإطار القانوني إلى مرحلة الاختبار العملي للتنفيذ على الأرض.

وفي هذا السياق، حرص ممثلو القيادة العامة في لجنة «4+4» على قطع الطريق أمام محاولات التشويش وإثارة الشائعات حول سير الاجتماعات، مؤكدين في بيان رسمي واضح أن النقاشات انحصرت حصرًا في ضبط المعايير والآليات والإجراءات الفنية لاختيار أعضاء ورئيس المفوضية، بعيدًا عن الخوض في أسماء أو شخصيات بعينها.

وتؤكد المعطيات الرسمية والبيانات الصادرة أن هذا النهج الشفاف يهدف إلى ضمان تحقيق أعلى درجات الكفاءة النزاهة والحياد، بعيدًا عن أية محاولات للمحاصصة أو التفضيل الفردي الذي قد ينسف الجهود المبذولة.

ومع إصرار الأطراف المشاركة على استكمال صياغة مسودة الاتفاق النهائي في الاجتماعات المقبلة بتونس، يترقب الشارع الليبي بشغف بالغ تحويل هذه التفاهمات إلى واقع ملموس يلبي تطلعاته المشروعة في بناء دولة المؤسسات والقانون.

جرائم الميليشيات وعسكرة الشارع: التحدي الأمني الأبرز في وجه خارطة الطريق الأممية

على الرغم من التقدم السياسي البارز الذي تحققه اللجنة المصغرة على طاولة المفاوضات، يظل الواقع الميداني في ليبيا رهينًا لسطوة الميليشيات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة التي تتغذى على استمرار حالة الفوضى وغياب سيادة القانون.

وتوثق التقارير الحقوقية والدولية الصادرة عن منظمات محلية وأممية متطابقة، الانتهاكات الجسيمة والجرائم المروعة التي ترتكبها الجماعات المسلحة بحق المدنيين، بما في ذلك عمليات الاعتقال القسري، والخطف، والابتزاز المالي، وتقييد حريات الرأي والتعبير في مناطق سيطرتها.

وتشير الإحصائيات الرسمية الموثقة إلى أن هذه الميليشيات تستخدم سلاحها المنفلت لترهيب المواطنين وتعطيل أي مسار ديمقراطي حقيقي يهدد مصالح قادة الحرب وأمراء الإجرام الذين يستفيدون ماديًا وسياسيًا من بقاء الوضع على ما هو عليه دون حسيب أو رقيب.

وتؤكد لجان تقصي الحقائق والخبراء الأمنيون أن نجاح أي عملية انتخابية مستقبلية مقبلة مرهون بشكل أساسي بمدى القدرة على تفكيك هذه الميليشيات أو تحييد خطرها الأمني المباشر على العملية الديمقراطية.

فالبيانات الأممية الصادرة في عام 2026 تحذر مراراً وتكراراً من أن التدخلات المسلحة والضغوط غير القانونية التي تمارسها الكتائب العسكرية خارج نطاق الدولة تشكل التهديد الأكبر لاستقرار ليبيا ووحدتها التربوية، وعليه، فإن المجتمع الدولي والبعثة الأممية باتا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بتقديم دعم حقيقي للأجهزة الأمنية النظامية والشرعية لفرض هيبة الدولة وتطهير المدن الليبية من سطوة الميليشيات، لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة تجري بمعزل عن لغة السلاح والتهديد والترهيب المستمر.

هل تنجح تفاهمات تونس في إنقاذ الدولة الليبية؟

تتجاوز أهمية المخرجات الإيجابية لاجتماعات لجنة «4+4» في تونس حدود النصوص القانونية والتقنية لتلقي بظلالها الإيجابية العميقة على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد التي أنهكتها سنوات النزاع.

وكما أشار المحللون السياسيون والمراقبون للشأن الليبي، فإن التوصل إلى تسوية توافقية تديرها مؤسسات سيادية منتخبة وشرعية مثل المفوضية العليا للانتخابات يفتح الباب على مصراعيه لتوحيد مؤسسات الدولة المالية، ومحاربة الفساد المالي، وإعادة توجيه مقدرات وخيرات البلاد نحو مشاريع التنمية والإعمار الحقيقي.

إن استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي كان بمثابة الحاضنة الأساسية لانهيار البنية التحتية وتدهور القوة الشرائية للمواطن الليبي، مما يجعل من إنجاز الاستحقاق الانتخابي طوق نجاة وطني لا غنى عنه لإنهاء حالة التشظي والتخبط التي تعاني منها البلاد.

وفي خضم هذه المعطيات المتشابكة، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على مدى صلابة الإرادة السياسية للأطراف الليبية والتزامها بالمسار التوافقي الذي تم هندسته عبر جولات الحوار الشاقة من روما إلى تونس.

إن أي تلكؤ أو تراجع عن التفاهمات المنجزة سيعيد البلاد حتماً إلى نقطة الصفر ويدخلها في دوامة جديدة من العنف والفوضى التي لا تحمد عقباها، ولذلك، فإن الدعم الإقليمي والدولي المتواصل للجهود الأممية، إلى جانب اليقظة الشعبية الرافضة لاستمرار هيمنة الميليشيات، يمثلان صمام الأمان الوحيد لعبور هذه المرحلة الحرقة نحو بر الأمان والاستقرار المنشود الذي يضمن لليبيا وشعبها العظيم مستقبلًا آمنًا ومزدهرًا يليق بتاريخها وتضحيات أبنائها.