تلوح في الأفق الليبي مقاربات سياسية جديدة قد تغير وجه خارطة السلطة في البلاد، حيث برزت فكرة منح مدينة سرت دورًا سياديًا يتجاوز مجرد كونها مدينة استراتيجية، لتصبح مقرًا لمؤسسات الحكم في ظل مساعٍ دولية تقودها واشنطن لإعادة هيكلة المشهد الليبي.
يأتي هذا الطرح في وقت تعاني فيه العاصمة طرابلس من سطوة الميليشيات المسلحة وتداخل مراكز النفوذ، مما جعل عمل السلطات التنفيذية رهينة لحسابات القوى المحلية التي غالبًا ما تعرقل أي مسار يهدف إلى استعادة سيادة الدولة، وهو ما دفع القوى الدولية للبحث عن بيئة أكثر استقرارًا بعيدًا عن هذا الضجيج.
الميليشيات وسلطة الأمر الواقع: لماذا عجزت طرابلس عن احتواء المؤسسات؟
وعانت المؤسسات الليبية السيادية طوال السنوات الماضية من ضغوط غير مسبوقة، حيث فرضت الميليشيات المسلحة في طرابلس قبضتها على مراكز القرار، مما حول الحكومة إلى كيان مكبل لا يملك حرية اتخاذ قرارات وطنية بعيدة عن الإملاءات المسلحة.
هذا الانفلات لم يعد مقتصرًا على الجانب الأمني، بل امتد ليعطل مفاصل الدولة، مما جعل من الضروري البحث عن “منطقة محايدة” تتيح للمؤسسات ممارسة عملها دون ابتزاز أو تهديد، لتبدو سرت اليوم كخيار جيوسياسي يفرض نفسه بقوة لكسر حلقة الهيمنة المسلحة التي أنهكت جسد الدولة.
الجغرافيا في خدمة الاستقرار: سرت كنقطة التقاء وطنية
وتمتلك مدينة سرت ميزة استثنائية لا تتوفر في غيرها، فهي نقطة التقاء طبيعية بين أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة، فزان، وطرابلس)، مما يمنحها رمزية وطنية قادرة على التحرر من صراعات الأقاليم التقليدية التي مزقت النسيج السياسي الليبي وأدخلته في دوامة الانقسام.
ويرى الخبراء، أن الجاهزية اللوجستية والبنية التحتية التي تمتلكها سرت، والتي تعززت خلال اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، تجعلها المرشح الأقوى لاستضافة السلطة التنفيذية، حيث توفر المدينة هامشًا من الحرية بعيدًا عن التجاذبات التي تعصف بالمناطق التي تسيطر عليها الميليشيات.
التحدي الأمريكي: إعادة هندسة بنية السلطة في ليبيا
وتستهدف المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس إلى أبعد من مجرد إجراء انتخابات؛ فهي تسعى لإعادة هندسة بنية السلطة الليبية بما يضمن بقاءها مستقلة وقادرة على اتخاذ القرار، بعيدًا عن “دكاكين السياسة” التي تستمد قوتها من الفوضى.
هذا الحراك الدولي لا يهدف فقط إلى تنظيم العمل الإداري، بل يسعى لفرض واقع سياسي جديد يقلص نفوذ القوى التي تقتات على استمرار الأزمة، مما يجعل من سرت في هذه الاستراتيجية بوابة للتحرر من “عقدة المركزية” التي جعلت من طرابلس رهينة للعبة الميليشيات.
الرهان على سرت: حل سيادي أم ترحيل للأزمة؟
وبينما يرى المؤيدون أن سرت هي الملاذ الأخير لإنقاذ المؤسسات الليبية من الانهيار الكامل وتخليصها من سطوة السلاح، يتخوف المعارضون من أن نقل السلطة قد يكون مجرد حل إداري لا يعالج جذور الصراع السياسي العميق المرتبط بغياب التوافق الحقيقي بين المكونات الليبية.
يبقى السؤال الجوهري معلقًا حول قدرة النخب الليبية على تقديم تنازلات تاريخية تضع مصلحة الدولة فوق نفوذ المدن والقبائل، فالمشكلة الليبية لم تكن يومًا في “موقع العاصمة” بحد ذاته، بل في “عقيدة السلطة” التي ترفض الخضوع لسيادة القانون وتفضل الاحتماء بالميليشيات.
نحو بناء نظام إدارة محلية ينهي صراعات المركز
ويتفق الكثير من المحللين على أن جوهر الحل الليبي يجب أن يتجاوز صراع العواصم نحو نظام إدارة محلية فعال يوزع الثروة والخدمات بعدالة، فاستمرار المركزية هو ما يجعل المدن الكبرى ساحة للصراع الدامي، بينما التنمية المتوازنة هي الكفيلة بنزع فتيل الأزمات.
إذا نجحت سرت في أن تكون نموذجًا للإدارة الرشيدة بعيدًا عن تأثير التشكيلات المسلحة، فقد تكون فاتحة لمرحلة جديدة من التوازن الوطني، أما إذا استمر الصراع على النفوذ كما هو، فإن نقل السلطة لن يكون سوى إعادة لإنتاج الأزمات بصيغة جغرافية مختلفة.
إن المرحلة القادمة ستحدد ما إذا كانت ليبيا تتجه نحو استعادة سيادتها أم أنها ستغرق في مزيد من الفوضى، فالدعم الدولي لمبادرة سرت يحمل في طياته رسالة قوية للقوى التي تعطل المسار، مفادها أن المجتمع الدولي لن يقبل ببقاء المؤسسات رهينة للميليشيات للأبد.
يبقى رهان الليبيين اليوم على جيل جديد يطمح لبناء دولة المؤسسات، وهو جيل يرى في سرت فرصة لكسر الجمود التاريخي، طالما أن هذا النقل يقترن بإرادة سياسية حقيقية قادرة على تحجيم الميليشيات والعودة بالدولة إلى حضن الشعب، وهو ما ننتظر رؤيته في الأسابيع المقبلة.
ليبيا: صراع المؤسسات ومأزق المركزية
تعد الأزمة الليبية إرثًا تراكميًا لعقود من تهميش المؤسسات وغياب الرؤية الوطنية الموحدة، حيث أدى انهيار هيكلية الدولة المركزية في عام 2011 إلى خلق فراغ أمني وسياسي استغلته قوى محلية وجهوية لفرض أجنداتها الخاصة.
إن معاناة ليبيا ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتشرذم مراكز القرار وتعدد “سلطات الأمر الواقع” التي استمدت مشروعيتها من منطق الغلبة العسكرية لا من صناديق الاقتراع أو العقد الاجتماعي.
وطوال العقد الماضي، تحولت العاصمة طرابلس إلى ساحة لتجاذبات القوى المسلحة التي جعلت من المؤسسات السيادية والمالية رهينة لمصالحها، مما أدى إلى تآكل هيبة الدولة وعجزها عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه ليبيا يتجاوز الجغرافيا؛ فهو صراع وجودي بين “دولة المؤسسات” التي يطمح إليها الشعب، و”دولة الميليشيات” التي تقتات على الفوضى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز سرت كضرورة جيوسياسية لا كخيار ترفيهي، حيث يرى المجتمع الدولي في نقل الثقل الإداري إلى منطقة محايدة محاولة أخيرة لكسر احتكار مراكز النفوذ التقليدية للقرار السيادي، ومع ذلك، يظل الرهان الحقيقي معلقًا على قدرة الليبيين على تجاوز عقبات الانقسام التاريخي، والاتفاق على صيغة حكم تضمن توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، بعيدًا عن هيمنة السلاح، لضمان تحول الدولة من حالة “الاستنقاع السياسي” إلى مرحلة الاستقرار الوطني المستدام.

