بينما يغرق لبنان في أتون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تلاشت مدخرات المواطنين وتبخرت قيمة العملة الوطنية، كان هناك كيان “موازٍ” يدير خزائنه الخاصة بعيدًا عن أعين الرقابة، ويستنزف آخر قطرات السيولة في البلاد لتمويل أجندات عسكرية لا تخدم سوى أطماع قياداته.
لم تعد أفعال “حزب الله” مجرد خروقات أمنية على الحدود، بل تحولت إلى “حرب مالية” ضد لقمة عيش اللبنانيين، مستخدمًا مؤسسات تبدو في الظاهر كجمعيات خيرية ومصارف شعبية، بينما هي في الحقيقة شريان الحياة الذي يضخ الأموال لدعم عمليات إرهابية عابرة للحدود، ضاربًا بعرض الحائط كافة القوانين الوطنية والدولية.
مؤسسات تحت غطاء “الخير” وهي بؤر للتمويل غير المشروع
وتعد جمعية “القرض الحسن” ومؤسسة “بيت المال” الوجه الآخر للعملة الإرهابية التي يمارسها الحزب؛ ففي الوقت الذي تنهار فيه البنوك اللبنانية، استمرت هذه المؤسسات في العمل كخزينة سرية تستقبل الأموال عبر وسطاء وحسابات شكلية بعيدة عن النظام المالي الرسمي.
وفقًا لتقارير وزارة الخزانة الأميركية في 2024، تعمل “القرض الحسن” كواجهة مدنية لتقديم خدمات مصرفية غير مرخصة، تعمل بمثابة “بنك مركزي للميليشيا”، حيث يتم تحويل الأموال المحصلة من اللبنانيين ومن المانحين في الخارج إلى أدوات عسكرية، مما يعمق أزمة السيولة ويحرم الدولة من مواردها المالية الحيوية.
أدلة أممية وحقوقية: كيف يبتلع الحزب موارد الدولة؟
وتتفق تقارير صادرة عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات دولية أخرى، على أن غياب الشفافية المالية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب قد خلق “اقتصادًا ظلاً” يعمل على تدمير الثقة في مؤسسات الدولة، حيث أشارت وقائع موثقة إلى أن هذه الكيانات المالية التابعة للحزب لم تكتفِ بتمويل الأنشطة العسكرية، بل تسببت بشكل مباشر في تهريب العملة الصعبة للخارج، مما أدى إلى تضخم مدمر ألحق الضرر بملايين المواطنين.
وفي تقرير للأمم المتحدة حول استقرار لبنان، تم التأكيد على أن وجود منظومات مالية موازية يمثل “عائقًا جوهريًا أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي”، حيث تعمل هذه الشبكات على عرقلة تنفيذ الاتفاقيات الدولية الرامية لاستعادة سيادة القانون ونزع السلاح غير الشرعي.
المسؤولون عن التمويل: هيكلية معقدة للالتفاف على العقوبات
ولا تقتصر سيطرة الحزب على المؤسسات، بل تمتد لتشمل أشخاصاً بعينهم، مثل إبراهيم علي ضاهر، مدير وحدة التمويل المركزية، الذي يشرف على ميزانية الحزب وتدقيق نفقات العمليات العسكرية، وصولاً إلى عادل محمد منصور في “القرض الحسن”.
وتشير ملفات الخزانة الأميركية إلى أن هؤلاء المسؤولين استخدموا حسابات مشتركة في مصارف لبنانية وأخرى دولية لتحريك أكثر من 500 مليون دولار خلال العقد الأخير، ضاربين عرض الحائط بالعقوبات الدولية، مما يثبت أن الحزب قد أقام شبكة تجارية ومالية معقدة تتداخل فيها المصالح الشخصية بقيادة الحزب مع الأهداف الإرهابية، مما يحول هؤلاء المسؤولين إلى أدوات رئيسية في زعزعة الاستقرار المالي الإقليمي.
رسائل دولية: زمن “التمويل السري” قد ولى
وتكتسب العقوبات الأخيرة التي استهدفت 16 شخصًا و5 كيانات أهمية استثنائية، فهي تأتي في وقت يتطلع فيه لبنان لتطبيق اتفاق إطاري يستهدف استعادة سيادته؛ حيث أكد مسؤولون في الإدارة الأميركية، أن “استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق بوجود دويلة مالية تمول إرهابها من جيوب المواطنين”.
وتوجّه هذه الضغوط رسالة واضحة للسلطات اللبنانية، و”إن التهاون مع الشبكات المالية الموازية لم يعد مقبولاً”، فاستمرار غض الطرف عن هذه التجاوزات يعني إطالة أمد معاناة اللبنانيين ومزيدًا من العزلة الدولية، بينما يظل السؤال الذي يطرحه الشارع اللبناني: إلى متى ستظل مدخراتنا رهينة في خنادق الضاحية؟

