بينما يعاني ملايين السودانيين من ويلات النزوح والجوع وتدمير البنية التحتية، تظهر تقارير موثقة أن قرار الحرب لم يكن يومًا محض صدفة عسكرية، بل كان خيارًا استراتيجيًا تتبناه القوى المتشددة لقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي قد يقصيهم عن المشهد السياسي للأبد، مما يفرض على القوى المدنية تحديًا تاريخيًا يتمثل في فك الارتباط بين المؤسسة العسكرية و”دولة الظل” الإخوانية التي تقتات على الفوضى.
التقارير الأممية تكشف: سجل أسود من الانتهاكات وجرائم الحرب
وأصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سلسلة من التقارير الدورية التي توثق انتهاكات جسيمة طالت المدنيين في مختلف أنحاء السودان، حيث أشارت “بعثة تقصي الحقائق المستقلة” في تقريرها الصادر بتاريخ 6 سبتمبر 2024 إلى وجود أدلة دامغة على ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” تتضمن القتل العمد، والاعتقال التعسفي، والتهجير القسري الممنهج.
وتؤكد التقارير، أن هذه الجرائم لم تكن مجرد أخطاء ميدانية، بل هي نتاج عقيدة عسكرية تتبناها عناصر مرتبطة بالنظام السابق، تهدف إلى إرهاب الحاضنة الشعبية للقوى المدنية، كما ذكر “مرصد حقوق الإنسان السوداني” في تقريره الصادر في يناير 2026 أن الميليشيات المتحالفة مع البرهان قد استخدمت أسلوب التجويع المتعمد كأداة للضغط السياسي، وهو ما يعد خرقًا صريحًا لمواثيق جنيف الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان.
البرهان وعقدة البقاء: كيف تحول الجيش إلى أداة لتحقيق أجندة الإخوان؟
وواجه الفريق أول عبد الفتاح البرهان اتهامات دولية ومحلية بالاعتماد الكلي على الكوادر الإخوانية التي تمت إعادة تمكينها في مفاصل الدولة والجيش بعد انقلاب أكتوبر 2021، حيث يرى محللون استراتيجيون أن البرهان وجد نفسه مضطرًا للتحالف مع هذه الجماعة ليضمن بقاءه في السلطة، متجاهلاً التحذيرات الدولية من أن هذا التماهي سيعمق الانقسام الوطني.
ويؤكد “تقرير معهد السلام الأمريكي” المنشور في ديسمبر 2025، أن القيادة العسكرية الحالية قد سمحت بفتح معسكرات لتدريب عناصر “كتائب الظل” الإخوانية، والتي أصبحت تقاتل في صفوف الجيش كقوات غير نظامية، مما جعل من الصعب الفصل بين مهام الجيش الوطنية وأجندة التنظيم السياسية، وهو ما أدى بدوره إلى تعثر كافة مبادرات السلام التي طرحتها القوى المدنية والمنظمات الدولية، حيث يرى الإخوان أن أي اتفاق سلام يعني نهايتهم السياسية.
دور القوى المدنية في مواجهة “سيناريو الإطالة”
وتدرك القوى المدنية السودانية، وعلى رأسها “تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية” (تقدم)، أن مواجهة “دولة الظل” تتطلب استراتيجية مزدوجة ترتكز على الضغط الدولي لفرض عقوبات على ممولي الحرب، وبناء جبهة وطنية عريضة ترفض عودة نظام الإنقاذ تحت أي مسمى.
ولقد طالبت هذه القوى مرارًا وتكرارًا بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، استنادًا إلى وقائع محددة تم رصدها، مثل تصريحات قيادات إخوانية بارزة دعت علنًا إلى “حسم الحرب عسكريًا” بدلاً من الحوار، مما يعد إقرارًا ضمنيًا بتبنيهم لخيار تدمير الدولة كبديل عن تسليم السلطة للمدنيين.
يأتي هذا وسط ضغوط من “مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” الذي دعا في قراراته المتتالية (آخرها القرار رقم 2736) إلى ضرورة انخراط كافة الأطراف في عملية سياسية شاملة، وهو ما يرفضه تيار الإخوان والبرهان، مفضلين الغرق في مستنقع الحرب على قبول التغيير الذي يطالب به الشعب السوداني.
هل يدرك البرهان أن التاريخ لن يرحم صانعي الحرائق؟
إن استمرار البرهان في استدعاء القوى الإخوانية لساحات القتال ليس سوى محاولة أخيرة للتشبث بكرسي السلطة، متجاهلاً أن فاتورة هذا التحالف يدفعها السودانيون من دمائهم ومستقبل أطفالهم، حيث أصبحت الدولة اليوم مهددة بالتمزق والتشرذم نتيجة هذه السياسات التدميرية.
كما أن المجتمع الدولي، ممثلاً في المنظمات الحقوقية والجهات الأممية، أصبح يمتلك اليوم أرشيفًا موثقًا من الوقائع والأسماء والتصريحات التي تدين هذه الأطراف، مما يضيق الخناق على أي محاولات مستقبلية للإفلات من العقاب أو العودة للمشهد السياسي.
إن طريق الخروج من هذه النفق المظلم يتطلب إرادة وطنية صادقة تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وتبدأ أولى خطواتها بعزل دعاة الفتنة والمتشددين الذين يصرون على إطالة أمد المعاناة، ليبقى السؤال الأهم، إلى متى سيظل صوت السلاح أعلى من صوت العقل والضمير في بلاد النيلين؟
وفي إطار جهودها المكثفة لإنهاء الصراع الدامي في السودان، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات اقتصادية طالت 5 أشخاص و3 كيانات ضالعة في شبكات التوريد والتجنيد التي تغذي الحرب، حيث شدد وزير الخزانة “سكوت بيسنت” على التزام إدارة الرئيس “دونالد ترامب” بتحقيق سلام دائم، داعيًا الجيش وقوات الدعم السريع إلى قبول هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة لمدة ثلاثة أشهر، لضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي ظل هذا الضغط الدولي، برزت بصيص أمل سياسي إثر نجاح قوى مدنية وسياسية سودانية وازنة في التوافق على “رؤية مشتركة” لتدشين مسار سلام مستدام، وذلك خلال اجتماعات الآلية الخماسية في أديس أبابا مطلع يونيو 2026؛ حيث يهدف هذا الاختراق، الذي شاركت فيه تحالفات كبرى مثل “صمود” والكتلة الديمقراطية، إلى قطع الطريق أمام الدوائر العسكرية والمرتبطة بتنظيم الإخوان التي تصر على إطالة أمد الحرب للاستئثار بالسلطة، ووضع أسس حقيقية لانتقال مدني ديمقراطي يحفظ وحدة السودان وسيادته.

