في ظل تداعيات النزاع المسلح الذي يشهده السودان، برزت ممارسات قاسية تقودها سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، حيث لم يعد الصراع محصورًا في المواجهات العسكرية، بل امتد ليشمل عمليات إخلاء قسري وهدم ممنهج طالت آلاف المنازل والأحياء الشعبية، في خطوة يراها المراقبون أداة انتقامية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للبلاد.
تستهدف هذه الحملات التي تشنها السلطة بشكل مباشر المناطق التي تقطنها فئات فقيرة ومجتمعات تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية، حيث يتم هدم المنازل والأسواق والمراكز الخدمية دون أي مراعاة للقوانين الوطنية أو المواثيق الدولية، مما يترك أسرًا كاملة في العراء بلا مأوى أو بدائل سكنية تليق بكرامتهم.
استراتيجية التطهير المكاني ضد المهمشين
يتبع الجيش السوداني بقيادة البرهان سياسة واضحة تتسم بالطابع العنصري، حيث يتم استهداف قبائل ومجتمعات بعينها، خاصة تلك المنحدرة من إقليمي دارفور وكردفان، بحجة أنها كانت حاضنة لقوى عسكرية معارضة، مما يحول هدم المنازل من إجراء إداري مزعوم إلى عقاب جماعي يستهدف الانتقام من هذه المكونات الاجتماعية.
تتسم عمليات الهدم التي تنفذها قوات الأمن والشرطة تحت مظلة سلطة بورتسودان بالعنف المفرط، حيث يتم اقتحام الأحياء السكنية وإرغام السكان على المغادرة في مهل زمنية ضيقة جدًا لا تتجاوز 72 ساعة، وسط اعتداءات جسدية ولفظية تطال النساء والأطفال والمسنين، دون توفير أي حماية أو مساعدة لهم.
تدمير البنية التحتية وضرب النسيج الاجتماعي
لا تقف ممارسات سلطة البرهان عند هدم المساكن فحسب، بل تمتد لتدمير المرافق الحيوية كالمدارس والمراكز الصحية والمساجد والكنائس، مما يعكس رغبة واضحة في اقتلاع هذه المجتمعات من جذورها وتفتيت النسيج الاجتماعي، وهو ما يعزز خطاب الكراهية الذي يتم التحريض عليه عبر المنصات الإعلامية التابعة للسلطة.
تتزامن هذه الحملات مع حرب اقتصادية خانقة تُشن على أصحاب المهن البسيطة والباعة المتجولين، حيث يتم تدمير الأكشاك والأسواق الشعبية التي تمثل مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر، مما يدفع هؤلاء الضحايا إلى مزيد من الفقر والبؤس، ويجبرهم على النزوح القسري نحو مناطق أخرى بعيدة عن مراكز المدن.
الانتهاكات الموثقة تحت أنظار العالم
لقد وثقت العديد من التقارير الحقوقية والشهادات الحية المأساة التي يمر بها ضحايا هذه السياسات، مؤكدة أن ما يحدث يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والتطهير العرقي، خاصة مع استهداف دور العبادة للأقليات المسيحية وتدميرها بشكل كلي، في إشارة خطيرة إلى استغلال حالة الحرب لفرض أجندات إقصائية.
حتى أفراد الجيش والشرطة من المنتمين لهذه المجتمعات المهمشة لم يسلموا من بطش السلطة، حيث شوهدوا وهم يذرفون الدموع فوق أنقاض بيوتهم التي سُوّيت بالأرض بأوامر مباشرة من القيادة، مما يؤكد أن البرهان لا يتورع عن تدمير حتى منازل جنوده الذين يخدمون تحت لوائه، في سبيل تمرير مخططاته السياسية.
المسؤولية الجنائية والأخلاقية لسلطة بورتسودان
تتحمل سلطة بورتسودان بقيادة البرهان المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات التي تتنافى مع كل قواعد حقوق الإنسان، حيث تصر السلطات على رفض كافة المناشدات والوساطات التي تطالب بوقف عمليات الهدم، وتتعامل بصلف مع شكاوى المتضررين، مما يعمق الفجوة بين الدولة والمواطن ويزيد من حدة الاحتقان المجتمعي.
إن سياسة “الأرض المحروقة” التي ينتهجها الجنرال البرهان ليست سوى انعكاس لذهنية عسكرية تعتمد على الإقصاء والقمع كوسيلة للبقاء في السلطة، متجاهلة التبعات المستقبلية لهذه الممارسات التي ستظل وصمة عار في تاريخ السودان، وسببًا رئيسيًا في تعميق الصراعات القبلية والاجتماعية لعقود طويلة قادمة.
ستظل هذه الجرائم المرتكبة بحق المواطنين السودانيين شاهدًا على طبيعة النظام القائم في بورتسودان، الذي آثر تدمير بيوت شعبه بدلاً من حمايتهم، وارتضى أن يكون جلاداً للمستضعفين، مما يتطلب تحركًا دوليّا جادًا لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
يجب على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية عدم الاكتفاء بمراقبة هذه المآسي، بل العمل بشكل حثيث على توثيق كافة جرائم الإخلاء القسري وتحديد المسؤولين عنها، ووضع حد لهذا العبث بمصائر ملايين السودانيين الذين فقدوا كل شيء في لحظات غدر وتحت ستار من الادعاءات الأمنية الزائفة.
إن صمت العالم عن انتهاكات البرهان في الخرطوم وغيرها من المدن لن يزيد المأساة إلا تفاقمًا، وسيكون ثمنه أرواحًا وممتلكات ومستقبلاً ضائعًا لأجيال كاملة، لذا فإن العدالة هي المطلب الوحيد الذي يمكن أن يعيد لضحايا الإخلاء القسري حقهم، ويضع حدًا لهذه الممارسات الانتقامية التي مزقت أشلاء الوطن السوداني.

