في قلب الرماد الذي خلفته الحرب اليمنية، نبتت طبقة من “طفيليات الدم” التي لا تعيش إلا على جراح الآخرين، حيث أعادت قيادات تنظيم الإخوان صياغة مفهوم المأساة لتحويلها إلى أرقام في حساباتهم البنكية المتضخمة.
لم تكن صرخات الجوعى أو أنين الجنود المرابطين في المتاريس سوى إشارات خضراء لتدفق السيولة في شرايين استثماراتهم العابرة للحدود، ليصبح الموت في عرفهم مجرد “صفقة رابحة” والدموع وسيلة لمضاعفة الأرباح.
لقد برع هؤلاء في ارتداء أقنعة الوعظ والوطنية لتغطية ملامح الجشع الذي لا يرتوي، محولين خارطة الوطن إلى سوق سوداء كبرى يديرونها من خلف الكواليس، بينما يدفع المواطن البسيط والجيش المخلص ضريبة هذا الثراء الفاحش من حياتهم ومستقبل أطفالهم، مما جعل الصراع في اليمن يتحول من معركة لاستعادة الدولة إلى بورصة يديرها “تجار الحروب الجدد”.
ميزانية الدم: كيف تتحول جبهات القتال إلى أرصدة بنكية؟
تبدأ قصة التربح الإخواني من صلب المؤسسة العسكرية التي حاولوا السيطرة عليها منذ اللحظات الأولى للأزمة. لقد اعتمدت القيادات الإخوانية استراتيجية “الجيش الوهمي”، وهي عملية ممنهجة لتسجيل آلاف الأسماء الوهمية في كشوفات المرتبات والتموين العسكري؛ مما أدى إلى استنزاف ميزانيات ضخمة كانت مخصصة لتحرير المناطق وتأمين معيشة الجنود المرابطين، هذه الأموال، بدلاً من أن تذهب لشراء الذخيرة أو تحسين جودة الغذاء للمقاتلين، وجدت طريقها إلى استثمارات خاصة في الخارج، وبناء إمبراطوريات تجارية وعقارية لقيادات الصف الأول والثاني في التنظيم، بينما يظل الجندي الحقيقي في الميدان يعاني من انقطاع الرواتب وضعف التجهيزات، مما يكشف عن وجه قبيح يستثمر في استمرار الصراع لا حسمه.
سياسة “الخناق”: الاحتكار واقتصاد الظل برعاية إخوانية
لم يكتفِ التنظيم بالتربح من الشأن العسكري ، بل امتدت مخالبه لتطال لقمة عيش المواطن البسيط في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم أو نفوذهم.
لقد أسست قيادات الإخوان شبكات معقدة من الشركات الوسيطة التي تتحكم في توريد المواد الأساسية والمشتقات النفطية، مما خلق “سوقًا سوداء” مقننة ترفع الأسعار بشكل جنوني، هذا الاحتكار المتعمد يهدف إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، تمويل أنشطة التنظيم السياسية والعسكرية، وإخضاع الشارع اليمني عبر سياسة التجويع والإنهاك، ليبقى المواطن مشغولاً بلقمة عيشه بعيدًا عن محاسبة هؤلاء الفاسدين. إنها جريمة مكتملة الأركان تحول المعاناة الإنسانية إلى “موديل تجاري” يدر الملايين يومياً على حساب جوع الأطفال ومرض الشيوخ.
تجارة المساعدات: نهب الإغاثة وتوظيفها سياسيًا
تعد المساعدات الإنسانية الدولية أحد أكبر الموارد التي تعرضت للنهب الممنهج من قبل أذرع الإخوان في اليمن. بدلاً من وصول الغذاء والدواء إلى مستحقيه في مخيمات النازحين والقرى النائية، يتم تحويل جزء كبير من هذه القوافل لتباع في الأسواق التابعة للتنظيم، أو يتم توزيعها حصرياً على الموالين لهم كأداة للاستقطاب السياسي.
هذا الاستغلال البشع للملف الإنساني لم يقتصر على السرقة المادية، بل امتد إلى عرقلة وصول المنظمات الدولية إلى المناطق المتضررة ما لم تمر عبر بواباتهم وشروطهم المالية، مما جعل العمل الإغاثي في اليمن رهينة لمصالح حزبية ضيقة تفتقر إلى أدنى معايير الأخلاق أو الضمير الوطني.
التحالفات المشبوهة: عندما يلتقي الإرهاب مع البيزنس
من أخطر جرائم الإخوان في اليمن هي سياسة “التخادم” مع القوى الانقلابية والجماعات الإرهابية الأخرى لضمان استمرار تدفق الأموال. لقد رصدت العديد من التقارير الميدانية عمليات تهريب واسعة للسلاح والمعدات التقنية عبر مناطق نفوذ الإخوان وصولاً إلى مناطق الحوثيين، وذلك مقابل صفقات مالية ضخمة وتسهيلات تجارية متبادلة.
هذا النوع من “التعاون اللوجستي” يثبت أن مصلحة القيادات الإخوانية لا تكمن في استعادة الدولة، بل في الحفاظ على “ستاتيكو” الحرب الذي يسمح بفتح ممرات التهريب وازدهار اقتصاد الظل، حيث يصبح العدو المفترض شريكًا في الربح، والوطن هو الخاسر الوحيد في هذه المعادلة الصفرية.
تضليل الرأي العام: الماكينة الإعلامية وتبييض الجرائم
لحماية هذه الإمبراطورية المالية المشبوهة، سخر الإخوان جيشاً من الوسائل الإعلامية والنشطاء المأجورين لممارسة التضليل الممنهج، تتركز مهمة هذه الماكينة في شيطنة الخصوم واختلاق معارك جانبية لصرف الأنظار عن قضايا الفساد والنهب التي يمارسونها.
وعندما تتعالى الأصوات المطالبة بالمحاسبة أو الكشف عن مصير الأموال والرواتب، يتم توظيف الخطاب الديني والقومي لتخوين الناقدين وتصويرهم كأعداء للمشروع الوطني. إن هذا الخداع الإعلامي هو الركن الأساسي الذي يستند إليه تجار الحروب للاستمرار في غيهم، حيث يتم تحويل الجلاد إلى ضحية، واللص إلى حارس للمبادئ.

