ذات صلة

جمع

في ذكرى وفاته.. مسيرة محمد ريحان الفنية بعد رحيله بكورونا

يُعد الفنان الراحل محمد ريحان واحدًا من أبرز الوجوه...

فاتورة الحرب تتضخم.. مليارات الدولارات تكشف كلفة المواجهة بين واشنطن وطهران

تتواصل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على المستويين...

مباريات منتخب مصر في كأس العالم 2026.. طرح تذاكر المرحلة الأخيرة للجماهير

أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم فتح باب حجز المرحلة...

معضلة الهوية فوق الخنادق.. لماذا تقتل أوكرانيا “طيورها” الرقمية بنيران صديقة؟

تتحول سماء المواجهات العسكرية في العصر الحديث إلى ساحة تعج بآلاف الأجسام الطائرة التي لا تهدأ، حيث باتت المسيرات هي العين التي ترى والرجل التي تبطش في آن واحد، لكن خلف هذا التقدم التقني تكمن مأساة صامتة تتمثل في “العمى الميداني” الذي يضرب صفوف المدافعين.

ففي لحظات الرعب التي لا تتعدى ثوانٍ معدودة، يجد الجندي نفسه أمام اختبار حياة أو موت حين يلمح طيفًا معدنيًا يقترب من خندقه، ليطرح السؤال الوجودي الأصعب: “هل هذه المسيرة لنا أم للعدو؟”، وغالبًا ما ينتهي هذا التساؤل بضغطة زناد أو تفعيل لجهاز تشويش يقتل “طيرة رقمية” صديقة.

هذا الانكشاف التقني يكشف عن ثغرة استراتيجية في إدارة المعارك الحديثة، حيث تصبح النيران الصديقة والتشويش الإلكتروني المتبادل عدوًا لا يقل ضراوة عن الخصم الروسي، في حرب استنزاف تستهلك فيها “البارانويا” والارتباك الميداني أرقى التقنيات العسكرية أسرع من خطوط الإنتاج.

جحيم المسيرات وفوضى الترددات فوق خطوط المواجهة

يرى الخبراء والمصنعون الميدانيون، أن ساحة المعركة الحالية هي المكان الأكثر رعبًا في العالم، حيث تغطي المسيرات السماء بكثافة تجعل من المستحيل تقريبًا تحديد التبعية بدقة في جميع الأوقات الحرجة.

ويؤكد القادة الميدانيون، أن الجنود في خنادقهم غالبًا ما يلجؤون لخيار “الإسقاط الاحترازي” لكل ما يطير فوق رؤوسهم إذا اقترب لمسافة أقل من 100 متر، مفضلين خسارة معدة باهظة الثمن على المخاطرة بحياتهم.

إن هذا الارتباك لا يتوقف عند إطلاق النار المباشر، بل يمتد لآثار الحرب الإلكترونية الصديقة التي تسببت في فقدان أعداد هائلة من المعدات نتيجة تداخل الترددات العشوائي.

فحين يتم تفعيل أنظمة التشويش لتعطيل هجوم معادي، فإنها لا تفرق بين إشارة مسيرة صديقة وأخرى معادية، مما يحول السماء إلى منطقة عازلة تسقط فيها كل الأجهزة التي تعتمد على موجات الراديو والتحكم اللاسلكي.

حرب الألياف الضوئية ومعضلة “المقص” والسكين

للتغلب على التشويش الإلكتروني، اتجهت الصناعات العسكرية نحو إنتاج مسيرات تعتمد على كابلات الألياف الضوئية، وهي تكنولوجيا توفر اتصالاً سلكيًا غير قابل للاختراق أو التعطيل عن بُعد.

لكن هذه التكنولوجيا المتطورة سقطت هي الأخرى أمام “غريزة البقاء” لدى الجنود، الذين أفادوا بأنهم في لحظات الشك والذعر يقومون بقطع هذه الكابلات يدويًا باستخدام المقصات أو السكاكين لمنع المسيرة من التقدم.

هذا السلوك يعكس الفجوة الكبيرة بين التخطيط التقني في المختبرات والواقع المرير في الخنادق، حيث يتحكم الأدرينالين والارتباك في القرار العسكري أكثر من خرائط التنسيق المسبقة.

إن قطع كابلات المسيرة يدويًا، رغم كونه يوقف خطرًا محتملاً، إلا أنه يدمر معدات صديقة كانت في طريقها لتنفيذ مهام استطلاعية أو هجومية حاسمة، مما يزيد من تعقيد المشهد اللوجستي للجيش المرهق.

نظام “دلتا” ومحاولات الرقمنة لضبط الفوضى الجوية

تسعى الجهات التقنية حاليًا لتحسين التنسيق الميداني من خلال أنظمة إدارة إلكترونية متطورة مثل نظام “دلتا”، الذي يهدف لتوفير صورة شاملة وموحدة لمسرح العمليات القتالية.

يتضمن هذا النظام طبقات مخصصة لرصد وإدارة حركة المسيرات الصديقة، مما يسمح للوحدات الأرضية بمعرفة اتجاهات المرور الآمن وأوقات التحليق لمنع استهدافها بنيران صديقة غير مقصودة.

ومع ذلك، تظل الفعالية محدودة بسبب سرعة وتيرة الاشتباكات وتعدد أنواع المسيرات التي يتم إنتاجها من قبل شركات مختلفة وبترددات متنوعة تجعل من الصعب توحيدها.

كما أن التشويش الروسي المستمر والاعتراضات العنيفة تستهلك أعدادًا هائلة من المسيرات، مما يضطر القوات لاستخدام كل ما يتوفر بين أيديها دون انتظار بروتوكولات التنسيق المعقدة التي قد تستغرق وقتًا ليس متاحًا.

اقتصاديات الحرب: المسيرة كسلاح “قابل للاستهلاك”

في نهاية المطاف، يتعامل المصنعون والجنود مع المسيرات باعتبارها ذخيرة متطورة وليست طائرات بالمعنى التقليدي، وهو ما يجعل خسارتها بنيران صديقة أمرًا مقبولاً ضمن تكلفة الحرب.

فالمسيرات أرخص بكثير من الصواريخ والمعدات العسكرية الثقيلة، وتصميمها يعتمد أساسًا على فكرة الإنتاج الواسع والاستخدام لمرة واحدة أو مرات قليلة قبل الفقدان الحتمي.

إن هذا التوجه نحو “الأسلحة القابلة للاستهلاك” هو ما يبقي الجبهات مشتعلة رغم الخسائر الكبيرة، حيث يتم إنتاج المسيرات بسرعة فائقة لسد العجز الناتج عن النيران الصديقة.

ويبقى التحدي الأكبر ليس في توفير المعدة، بل في إدارة هذا الكم الهائل من “الطيور الرقمية” في سماء ضيقة، حيث يصبح التنسيق البشري هو الحلقة الأضعف في سلسلة التكنولوجيا.