ذات صلة

جمع

كيف حاولت قيادات الإخوان تبييض وجوهها عبر شعارات حقوق الإنسان المزيفة؟

تشهد العواصم الأوروبية تحولاً جذرياً وغير مسبوق في طريقة...

الدولار يتراجع أمام الجنيه المصري- الإثنين 27 يوليو 2026

شهد سوق الصرف في مصر خلال تعاملات، اليوم الاثنين،...

حرارة الصيف والتبخر الجائر.. ما أبرز التحديات المائية التي تهدد الحصة الاستراتيجية للعراق؟

تشهد المحافظات العراقية مفارقات قاسية ومقلقة مع ذروة فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، حيث يتزامن التراجع الشديد في إمدادات الطاقة الكهربائية وانخفاض ساعات التجهيز إلى نحو 10 ساعات يومياً في أفضل الحالات، مع إعلان وزارة الموارد المائية العراقية بلوغ الخزين المائي للبلاد مستوى “ممتازاً” مقارنة بسنوات الجفاف القاسية السابقة.

وتؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والدولية المعنية بالشأن البيئي والاقتصادي في العراق أن البنى التحتية للخدمات الأساسية تعاني أزمات هيكلية مزمنة تعيق الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، وتترك ملايين المواطنين عرضة لمعاناة يومية تتجدد مع كل موجة حر.

وفي ظل غضب شعبي متصاعد واحتجاجات شهدتها عدة مدن في وسط وجنوب البلاد، تنديداً بتردي قطاع الكهرباء وعجز شبكات التوزيع، تجد الحكومة نفسها محاصرة بين ضغوط تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين والتحديات الكبرى المرتبطة بإدارة ملف المياه الاستراتيجي، الذي يحمل في طياته أبعاداً أمنية واقتصادية بالغة الخطورة على مستقبل الدولة ومقدراتها الحيوية.

مفارقات الصيف العراقي: بين وفرة المياه وانهيار قطاع الكهرباء

في الوقت الذي تعاني فيه معظم المحافظات العراقية من أزمة خانقة في قطاع الطاقة الكهربائية، بحيث لا تتجاوز مستويات التجهيز للمواطنين والمباني الحكومية سقف 10 ساعات يومياً، وهو ما دفع مئات السكان في مناطق الوسط والجنوب إلى الخروج في مظاهرات احتجاجية صاخبة خلال الأيام القليلة الماضية، تشهد البلاد استقراراً نسبياً في المخزون المائي السطحي.

ومثل كل عام، ومع ذروة الطلب المتزايد وارتفاع حرارة الصيف، يُعاد فتح ملف التدهور المعتاد في تجهيز الطاقة، الذي بات، بنظر المواطنين، ملفاً مستعصياً لا حل له في المدى القريب أو المتوسط، حيث تضاعفت مشكلات التجهيز مقارنة بالسنوات الماضية، تاركةً شعوراً بالإحباط العام.

وتشير التقارير الاقتصادية الموثقة إلى أن ظروف التوتر الإقليمي وتداعيات العقوبات الاقتصادية الدولية ساهمت بشكل مباشر في تردي أوضاع الطاقة، نتيجة إيقاف تصدير الغاز الإيراني إلى العراق، إلى جانب تراجع إنتاج الغاز المحلي من حقول النفط بسبب توقف بعض العمليات التشغيلية، حيث أعلنت وزارة الكهرباء رسمياً خسارتها أكثر من 8 آلاف ميغاواط نتيجة هذه الأسباب البنيوية والسياسية المتشابكة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نحو 60 ألف ميغاواط، بينما لا يتجاوز حجم الإنتاج الفعلي 20 ألف ميغاواط فقط.

قفزة تاريخية في الخزين المائي وتعافي السدود الرئيسية

على الصعيد المائي، المقابل لأزمة الكهرباء المتفاقمة، أعلنت وزارة الموارد المائية رسمياً أن الخزين المائي في العراق يشهد وضعاً استثنائياً وممتازاً؛ إذ سجل العام الماضي 5 مليارات متر مكعب فقط، بينما سجل مؤخراً نحو 35 مليار متر مكعب، بما يعادل سبعة أضعاف مقارنة بأسوأ أزمة جفاف شهدتها البلاد منذ نحو ثمانية عقود، قبل أن تسهم الأمطار الغزيرة في إنعاش الحوض النهري.

وفي تصريحات رسمية لوكالة الأنباء العراقية، أوضح المتحدث باسم الوزارة، خالد شمال، أن وضع الخزين المائي ممتاز في جميع السدود والبحيرات الكبرى، حيث بلغ، مع نهاية الموسم الشتوي وموسم ذوبان الثلوج، نحو 34 إلى 35 مليار متر مكعب، مسجلاً تحسناً هائلاً مقارنة بالعام الماضي، الذي بدأ بخزين متدنٍ بلغ 5 مليارات متر مكعب فقط، وهو من أدنى المستويات المسجلة تاريخياً منذ عام 1934.

وأضاف شمال أن نسب الامتلاء في السدود الرئيسة، ومنها سد الموصل، ودوكان، ودربندخان، تتراوح حالياً بين 70 و80 في المائة، مع الحفاظ الدائم على فراغ خزني آمن ومناسب تحسباً لأي إيرادات مائية قادمة أو طوارئ مناخية محتملة، مؤكداً أن الوزارة تعمل وفق استراتيجية دقيقة تضمن تأمين الاحتياجات الأساسية للبلاد.

التحديات الجائرة والتجاوزات الداخلية تهدد الحصة الاستراتيجية

رغم وفرة الخزين المائي الحالية، فإن وزارة الموارد المائية حذرت من حزمة تحديات جسيمة تواجه الموسم الحالي، وفي مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة المفرطة وزيادة معدلات التبخر الطبيعي للمياه السطحية، فضلاً عن ظاهرة التجاوزات المستمرة على المحاصصة المائية، والري الجائر من قبل بعض المزارع والأنشطة الزراعية، إلى جانب الاستخدام غير الرشيد للمياه من قبل بعض المؤسسات الحكومية والمواطنين.

وأعاد المتحدث الرسمي التذكير بأن أكثر من 70 في المائة من الإيرادات المائية للعراق تأتي من دول الجوار الجغرافي، وفي مقدمتها تركيا، تليها إيران وسوريا، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية للإيرادات الإقليمية تتراوح بين المتوسطة والجيدة، وهي مؤشرات إيجابية ومطمئنة نسبياً.

وأكد أن الوزارة تعمل ضمن اتفاق إطاري تنفيذي مع الجانب التركي لتنفيذ مشاريع ري ريادية حديثة، تشمل أنظمة الري المغلق، ونقل المياه عبر الأنابيب المتقدمة، ومشاريع الاستصلاح الكبرى للحد من الهدر المائي.

وختم بالتأكيد على أن توزيع الإطلاقات المائية بين المحافظات تتم إدارته بحوكمة دقيقة عبر المركز الوطني لإدارة الموارد المائية، لضمان تأمين مياه الشرب، والاستخدامات المنزلية والصناعية، وتنفيذ الخطة الزراعية، وإنعاش الأهوار وشط العرب، بمهنية عالية.

يظل المشهد العراقي رهيناً لمعادلة معقدة تتجاذبها أزمات الخدمات الأساسية وتحديات الأمن المائي والبيئي. فبينما تتنفس السدود الصعداء بفضل الوفرة المخزنية الحالية التي تتجاوز 35 مليار متر مكعب، تقف منظومة الطاقة الكهربائية عاجزة أمام ضغوط الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وشح إمدادات الغاز.

إن هذه التناقضات الحادة بين وفرة المياه وعجز الطاقة تفرض على الحكومة العراقية تسريع وتيرة الحلول الاستراتيجية المستدامة، وتفعيل الاتفاقيات الإقليمية والدولية بحوكمة عالية لضمان عدم انفجار الشارع مجدداً. وبقدر ما تمثله المشاريع المشتركة مع دول الجوار من بارقة أمل لتجاوز كابوس الصيف، فإن اختبار الدولة الحقيقي يكمن في قدرتها على حماية مكتسباتها المائية والخدمية معاً، وتحويل الموارد الطبيعية إلى جدار حماية حقيقي يضمن حياة كريمة ومستقرة لجميع المواطنين دون استثناء.