ذات صلة

جمع

الدولار يتراجع أمام الجنيه المصري- الإثنين 27 يوليو 2026

شهد سوق الصرف في مصر خلال تعاملات، اليوم الاثنين،...

كيف يضحّي حزب الله باستقرار لبنان ومعيشة أبنائه لخدمة المصالح الإيرانية؟

لم يعد خفيًا على المراقبين للشأن اللبناني أن دولة...

تراجع أسعار الذهب اليوم الإثنين 27 يوليو.. وعيار 21 يتراجع في مصر

تشهد أسعار الذهب اليوم الإثنين، 27 يوليو 2026، في...

نزيف الذهب الأسود.. كيف تستنزف أزمات البنى التحتية وهيمنة الميليشيات شرايين قطاع النفط العراقي؟

يمثل قطاع النفط في العراق العصب الأساسي للاقتصاد الوطني والممول الرئيسي للموازنة العامة بنسبة تتجاوز تسعين بالمائة من الإيرادات الحكومية، إلا أنه يواجه اليوم أزمة وجودية معقدة تنذر بعواقب وخيمة على الاستقرار المالي والاجتماعي للبلاد.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الجهات الرسمية جاهدة لطمأنة الأسواق العالمية، تكشف تقارير أممية ودولية صادرة عن مؤسسات رقابية رفيعة المستوى عن واقع مرير يعانيه القطاع النفطي، متأثرًا بتهالك البنى التحتية الأساسية، وتأخر عمليات التحديث والتطوير التكنولوجي، فضلاً عن التغلغل الممنهج لجماعات الميليشيات المسلحة وشبكات الفساد المالي والإداري التي تتحكم في مفاصل الإنتاج والتصدير.

إن تداخل الأزمات الفنية مع الضغوط السياسية والأمنية يضع مستقبل الطاقة في العراق على محك خطر حقيقي يتطلب وقفة جادة ومكاشفة شفافة تستند إلى لغة الأرقام والوقائع الدامغة.

حجم الخسائر والتهالك في البنى التحتية

وتؤكد التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وبرامج الأمم المتحدة التنموية، إلى جانب بيانات البنك الدولي، أن قطاع الطاقة العراقي يعاني من شيخوخة مبكرة في بنيته التحتية المتمثلة في شبكات الأنابيب ومحطات الضخ وموانئ التصدير البحرية والبرية.

وتشير الأرقام الرسمية وغير الرسمية الموثقة لعام 2025 والعام الحالي 2026 إلى أن العراق يخسر مليارات الدولارات سنويًا بسبب الهدر الفني وعمليات الحرق المستمر للغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، حيث تجاوزت كميات الغاز المحروق مستويات قياسية تؤثر بشكل مباشر على البيئة وتستنزف ثروة قومية هائلة كان من المفترض أن تدعم قطاع الكهرباء المتعثر.

وتوضح هذه التقارير أن غياب الصيانة الدورية وتوقف الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب البيئة الطاردة والمخاطر الأمنية قد أديا إلى تراجع الكفاءة التشغيلية للحقول الكبرى في جنوب ووسط البلاد، مما يهدد قدرة بغداد على الالتزام بحصص الإنتاج المقررة ضمن تحالف أوبك بلس ويضعف موقعها الاستراتيجي في أسواق الطاقة العالمية.

هيمنة الميليشيات وشبكات الفساد على مفاصل الاقتصاد النفطي

ولا يقتصر تعثر قطاع النفط العراقي على الجوانب الفنية والهندسية فحسب، بل يتعدى ذلك ليطال المنظومة الأمنية والسياسية الحاكمة لتوزيع الثروة، حيث تحذر تقارير حقوقية ودولية موثقة من الدور التخريبي الذي تلعبه الميليشيات المسلحة والجماعات النافذة خارج إطار الدولة في السيطرة على عقود النقل، وعمليات تهريب المشتقات النفطية، والتحكم في الموانئ والمنافذ الحدودية.

وثقت تحقيقات استقصائية وتقارير رقابية مستقلة تورط جهات مسلحة في عمليات تهريب منظمة للنفط الخام والمشتقات بنسب تُقدر بمئات الآلاف من البراميل يوميًا، مما يحرم الخزينة العامة من إيرادات مالية ضخمة كانت كيلة بانتشال ملايين العراقيين من خط الفقر والبطالة.

وتُظهر التصريحات الرسمية الصادرة عن لجان نزاهة البرلمان العراقي وهيئة النزاهة الاتحادية، أن الفساد المالي المرتبط بالصفقات الوهمية والعمولات غير القانونية في عقود التصفية والتنقيب قد بلغ مستويات غير مسبوقة؛ مما أدى إلى شلل شبه تام في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى وجعل القطاع رهينةً لمصالح ضيقة على حساب الأمن القومي والاقتصادي للبلاد.

تداعيات الأزمة على الموازنة العامة وتصاعد السخط الشعبي

وتنكسر تداعيات هذا التعثر المستمر في البنى التحتية والسيطرة المسلحة مباشرة على الحياة اليومية للمواطن العراقي، إذ تعاني الموازنة العامة للدولة من عجوزات مالية متكررة تجعل الحكومة عاجزة في كثير من الأحيان عن دفع رواتب الموظفين في موعدها أو تمويل مشاريع التنمية المستدامة والخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء.

وقد أشارت تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة مؤخرًا إلى أن الاعتماد المفرط على قطاع نفطي يعاني من الهشاشة والتهالك يضع الاقتصاد العراقي في دائرة خطر شديد عند حدوث أي هزات أو انخفاضات مفاجئة في أسعار النفط العالمية.

وفي ظل تفاقم أزمة البطالة بين خريجي كليات الهندسة وعلوم النفط، تتصاعد الاحتجاجات الشعبية المطلبية في المحافظات النفطية الغنية مثل البصرة وميسان، حيث يرفع المتظاهرون شعارات تطالب بإنهاء الهيمنة الحزبية والميليشياوية على مقدرات الثروة الوطنية، ووقف عمليات النهب الممنهج التي تستزف مستقبل الأجيال القادمة دون رادع قانوني حقيقي.

آفاق الحلول المتاحة ومساعي إنقاذ قطاع الطاقة من الانهيار

وفي مواجهة هذا المشهد القاتم، تعلن وزارة النفط العراقية بين الحين والآخر عن إطلاق خطط طوارئ استراتيجية وجولات جولة تراخيص جديدة لاستثمار حقول الغاز والنفط بالشراكة مع شركات عالمية كبرى، بهدف رفع القدرة الإنتاجية وتحديث البنى التحتية المتهالكة.

ومع ذلك، تؤكد الدوائر الاقتصادية المتخصصة أن نجاح هذه المساعي يظل مرهوناً بقدرة السلطات الحاكمة على فرض سيادة القانون، وتفكيك شبكات الفساد، وإبعاد قطاع الطاقة نهائيًا عن صراعات النفوذ المسلح والتدخلات السياسية الخارجية والداخلية.

إن استعادة ثقة المستثمر الأجنبي وضمان بيئة عمل آمنة ومستقرة تتطلب إصلاحات جذرية وحقيقية وليست تجميلية، تبدأ بتفعيل دور الأجهزة الرقابية المستقلة، وتأمين خطوط الأنابيب ومنشآت التصدير بحماية الجيش والشرطة الاتحادية وحدها دون غيرهما، وبدون خطوات شجاعة وحاسمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن قطاع النفط العراقي سيظل يراوح مكانه بين التعثر والانهيار، مهددًا الاستقرار السياسي برمته في واحدة من أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية.