ذات صلة

جمع

حرب الأشباح.. كيف تحمي موسكو صواريخها من “الأعين” الإلكترونية الأوكرانية؟

في ظل التطور المتسارع للحرب الإلكترونية التي تقودها أوكرانيا...

الشرق الأوسط بين التحولات الكبرى وإعادة رسم التحالفات الإقليمية

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحولات...

“ثقب أسود” في الميزانية.. كيف يغطي الفساد المالي على فضيحة نقص البنزين والديزل في ليبيا؟

لم تعد أزمة الوقود في ليبيا مجرد مشكلة تقنية تتعلق بآليات التوريد أو سلاسل الإمداد، بل تحولت إلى فضيحة فساد مالي وإداري مكتملة الأركان تستنزف مقدرات الدولة وتضع المواطن الليبي تحت رحمة طوابير لا تنتهي، فبينما تُعلن المؤسسات الرسمية عن توفر أطنان من البنزين والديزل داخل المستودعات الرئيسية في طرابلس والزاوية، يستمر الاختناق المروري أمام المحطات وتتزايد معاناة المواطنين الذين باتوا يضطرون لشراء الوقود من السوق السوداء بأضعاف سعره الرسمي، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهريًا حول المسار الذي تتخذه المليارات المخصصة لدعم المحروقات.

إن تحول أزمة الوقود من مشهد يومي روتيني إلى حادثة دامية في مدينة الزاوية، حيث سقط ضحايا نتيجة مشاجرات اندلعت داخل محطات التوزيع، يمثل مؤشرًا خطيرًا على حالة “الاحتقان المكتوم” التي وصلت إليها المناطق الغربية، فالفساد هنا لا يقتصر على سرقة الأرقام في دفاتر المحاسبة، بل يمتد ليشمل سرقة الأمن العام والاستقرار الاجتماعي، حيث تتقاطع المصالح الضيقة لأطراف محلية وشركات توريد مع مصالح مافيا التهريب لضمان استمرار هذا “الشح المفتعل” الذي يُعد الوقود المحرك الحقيقي لثروات غير مشروعة تُبنى على حساب معاناة الليبيين.

فاتورة الـ 915 مليون دولار: لغز الأرقام التي لا تترجم إلى خدمة

تشير البيانات الرسمية إلى أرقام مفزعة، حيث بلغت قيمة المحروقات الموردة خلال شهر أبريل وحده نحو 915 مليون دولار، وهو رقم ضخم يطرح تساؤلات ملحة حول ” أين تذهب هذه الكميات الهائلة؟”، فإذا كانت المستودعات تسجل أرصدة تفوق 13 ألف طن من البنزين في طرابلس وحدها، فإن السؤال الذي يظل دون إجابة هو: لماذا تختفي هذه الكميات فور خروجها من المستودعات؟ وهل هناك “أيدٍ خفية” تقوم بتحويل مسار هذه الشحنات إلى جهات غير معلومة قبل وصولها إلى المحطات التابعة للدولة؟

تُشير المعطيات الميدانية إلى وجود شبكة معقدة من التواطؤ تبدأ من الموانئ التموينية وتمر عبر شركات توزيع وتصل إلى أصحاب المحطات المحتكرين، حيث يعمل هذا “الأخطبوط” على افتعال الأزمات من خلال إبطاء عمليات التوزيع أو إغلاق المحطات لدفع المواطنين نحو السوق السوداء، مما يجعل هذه المحطات أشبه بـ “مراكز ابتزاز” منظمة تحصد أرباحًا خيالية، بينما تغض المؤسسات الرقابية الطرف عن هذا العبث، مما يثير شكوكًا واسعة حول وجود “غطاء سياسي” يحمي هؤلاء المتورطين في نهب مقدرات الدولة.

التواطؤ الميداني: كيف تتحول المحطات إلى منصات للابتزاز؟

في الوقت الذي تخرج فيه تصريحات المسؤولين عن انطلاق جولات ميدانية لمتابعة ملف توزيع الوقود، يظل الواقع على الأرض يثبت عجز هذه اللجان عن ضبط الإيقاع، فالرقابة الشكلية التي تمارسها البلديات لا تلمس جوهر المشكلة، بل تكتفي بإصدار وعود بالحل لا تصمد أمام واقع الازدحام المروري الذي يمتد على طول الطريق الساحلي، حيث تسيطر مجموعات مسلحة ومصالح تجارية على حركة الناقلات وتحدد وجهتها وفق حسابات الربح لا حسابات الحاجة الوطنية.

إن لجان التوزيع التي يتم تشكيلها غالبًا ما تكون جزءًا من الأزمة لا جزءًا من الحل، فغياب الشفافية في آلية تخصيص الكميات للمحطات يفتح الباب واسعًا أمام “المحسوبية والزبائنية”، حيث تُعطى الأولوية لمحطات بعينها أو لمناطق دون أخرى بناءً على علاقات النفوذ، مما يخلق تفاوتات حادة في وفرة الوقود، ويحول هذا المورد الحيوي إلى ورقة ضغط سياسي تستخدمها أطراف محلية لتقوية نفوذها في مناطقها، تاركةً المواطن البسيط ليواجه مصيره في طوابير الانتظار الطويلة تحت أشعة الشمس.

الانعكاسات الدموية: عندما يصبح “البنزين” سببًا للقتل

لم تعد أزمة الوقود مجرد صداع إداري، بل تحولت إلى “قنبلة موقوتة” تهدد السلم المجتمعي، فحادثة الزاوية الأليمة التي راح ضحيتها مواطن هي النتيجة الطبيعية لسياسات التهميش والفساد، حيث تزداد حدة التوتر بين المواطنين الذين يشعرون بـ “الغبن الاجتماعي” نتيجة عدم العدالة في توزيع موارد دولتهم، بينما يرى هؤلاء أن هناك فئة قليلة تعيش على دماء الشعب وتثرى من وراء معاناته.

هذا الانفلات الأمني في محطات التوزيع هو انعكاس لغياب الدولة، فالأجهزة الأمنية التي يفترض بها تنظيم حركة التوزيع أصبحت عاجزة عن ضبط هذه المحطات، بل إن بعض العناصر الأمنية متورطة في حماية تجار السوق السوداء، مما يعزز شعور المواطن بأن الدولة بكافة مؤسساتها لا تزال رهينة لـ “مراكز قوى” لا تبالي بانهيار الخدمات العامة، وما لم تتخذ إجراءات حقيقية وجذرية تضرب جذور الفساد في منظومة التوريد، فإن وتيرة هذه الحوادث الدامية مرشحة للتصاعد بشكل أكبر.

خريطة الفساد: ما وراء مستودعات النفط والموانئ التموينية

إن ربط الأرقام المسجلة في مستودعات النفط بالواقع المعاش يكشف عن “خيانة للأمانة الوطنية”، حيث تُظهر تقارير المؤسسة الوطنية للنفط وجود رصيد مطمئن، إلا أن وصول هذا الرصيد إلى خزان الوقود في سيارة المواطن يمر عبر “عنق زجاجة” يتحكم فيه الفاسدون، فهناك عمليات تفريغ مشبوهة تتم في أوقات متأخرة، وهناك ناقلات يتم تحويلها إلى وجهات أخرى خارج المخطط المعتمد، وكل ذلك يتم بعيدًا عن أعين الرقابة الشعبية والقضائية.

إن الدولة الليبية مطالبة اليوم بأكثر من مجرد “لجان متابعة” أو “وعود بالانفراج”، فهي تحتاج إلى مراجعة شاملة لسياسات استيراد الوقود، وتحويل هذه العملية من “سر حربي” تتحكم فيه شركات التوريد إلى عملية شفافة تخضع للمساءلة والمراقبة العامة، وإلا فإن هذا الفساد المالي سيستمر في تغطية فضيحة النقص المتعمد، وسيبقى المواطن هو الضحية الوحيدة في معادلة نهب الثروة الوطنية.

إن الأزمة الليبية في قطاع المحروقات ليست قدرًا محتومًا، بل هي اختيار سياسي وإداري لشرعنة نهب المال العام، فبينما يمتلك الليبيون أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، يظلون عالقين في طوابير الذل بانتظار لترات من الوقود، وهذا التناقض هو خير دليل على أن أزمة ليبيا الحقيقية ليست في ندرة الموارد، بل في ندرة الإرادة السياسية الصادقة لإنهاء حقبة الفساد التي تستنزف البلاد وتدفعها نحو مزيد من الاحتقان والانهيار.