ذات صلة

جمع

صفقات مشبوهة.. دور السعودية في نقل أسلحة للجيش السوداني

في وقتٍ تتجه فيه الأنظار الدولية نحو إنهاء المعاناة...

جحيم التضخم.. كيف ارتفعت أسعار السلع في اليمن بنسبة 400%؟

في مشهدٍ اقتصاديٍ هو الأكثر قسوةً في تاريخ اليمن...

الدولار يرتفع بشكل محدود أمام الجنيه في تعاملات الإثنين 13 يوليو 2026

شهد سوق الصرف في مصر، خلال تعاملات اليوم الإثنين،...

صفقات مشبوهة.. دور السعودية في نقل أسلحة للجيش السوداني

في وقتٍ تتجه فيه الأنظار الدولية نحو إنهاء المعاناة الإنسانية في السودان، تضع تقارير بحثية حديثة وموثقة الدور السعودي تحت مجهر المساءلة الدولية، كاشفةً عن تحول استراتيجي في سياسة الرياض التي انتقلت من عباءة “الوسيط المحايد” إلى شريكٍ لوجستيٍ وعسكريٍ فاعلٍ في الحرب الدائرة.

حيث يكشف تحقيق معمق صادر عن “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” “GISS” ومقره لندن، عن شبكة دعم معقدة تتجاوز المساعدات الإنسانية، لتصل إلى تعزيز القدرات القتالية للجيش السوداني والميليشيات المتحالفة معه، في خطوةٍ يراها مراقبون وقودًا إضافيًا لإطالة أمد الصراع الذي أدى إلى تشريد الملايين وتحويل مدنٍ كاملة إلى ركام.

جسور جوية وأسلحة نوعية: كواليس الدعم السعودي للبرهان

لم يعد الدعم السعودي مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تحول إلى عمليات لوجستية دقيقة تديرها شركات طيران تنفيذية مثل: “Alpha Star Aviation” و”Sky Prime Aviation”. رصد التحقيق جسرًا جويًا مكثفًا يربط بين الرياض وبورتسودان، حيث يتم نقل مسؤولين عسكريين ومعدات حساسة تساهم بشكل مباشر في استمرار العمليات العسكرية للجيش السوداني.

وتشير الوثائق المرفقة في التقرير إلى تزويد الجيش السوداني ببطاريات مدفعية من نوع “M777” عيار 155 ملم، مع تقديم برامج تدريب نوعية للعناصر المشغلة لها، مما أحدث تغييرًا ملموسًا في القدرات النارية للجيش على الأرض.

هذا الدعم العسكري لم يتوقف عند الأسلحة التقليدية، بل امتد ليشمل المواد المتفجرة والمكونات الأولية للصناعات الدفاعية، ما يثير تساؤلات قانونية دولية حول التورط في تسليح طرفٍ متهمٍ بانتهاكات حقوقية جسيمة، لا سيما في ظل تصنيف كتيبة “البراء بن مالك” كمنظمة إرهابية دولية، والتي تستفيد بشكلٍ مباشر من هذه الترسانة.

ميناء جدة: شريان حياة لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية

ويُظهر التحقيق أن ميناء جدة تحول إلى ممرٍ لوجستيٍ رئيسي لأسطوانات الكلور والمواد المتفجرة المتجهة إلى بورتسودان، حيث يتم التمويه على هذه الشحنات لضمان وصولها إلى المؤسسة العسكرية السودانية. يتم ذلك عبر وسيط محوري يتمثل في شركة “Target Multiactivities Company” (TMAC)، المرتبطة عضويًا بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية (DIS) ومجموعة “GIAD”.

وكشفت البيانات التجارية الموردة في التحقيق عن تعاقدات مع شركات هندية، منها “SBL Energy Limited” و”IDL Explosives Ltd”، لتوريد مواد كيميائية ومتفجرة حساسة تُستخدم في قلب العمليات القتالية.

إن هذا الدعم التقني واللوجستي لا يعزز قدرة الجيش السوداني فحسب، بل يمنح ميليشيات متطرفة مثل: “البراء بن مالك” تفوقًا تكتيكيًا، وهو ما يضع الرياض في مواجهة مباشرة مع التقارير الأممية التي توثق جرائم حرب تطال المدنيين.

تقارير أممية وحقوقية: انتهاكات البرهان في قفص الاتهام

وتتطابق هذه المعطيات مع تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان، التي أكدت في سلسلة وثائق صادرة بين عامي 2025 و2026، تورط قيادات الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية واستهداف البنية التحتية المدنية.

وفي تقريرها الأخير، أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء التصعيد العسكري في ولايات دارفور والخرطوم، مشيرة إلى أن استمرار تدفق الأسلحة النوعية من أطراف إقليمية دون تسمية السعودية صراحة في النص العام قد ساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية التي صنفتها المنظمات الدولية بأنها “الأكبر في العالم”.

من جانبه، وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في عدة تقارير حديثة، الاستخدام المفرط للقوة من قبل الجيش السوداني، مطالبةً بفرض عقوبات دولية على الموردين والمسهلين، معتبرةً أن أي دعم خارجي للأطراف المتنازعة يعتبر انتهاكًا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحظر السلاح.

هل تخرج الرياض من عباءة الوسيط؟

تثير استنتاجات “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” “GISS” تساؤلات جوهرية حول السياسة الخارجية السعودية؛ فكيف يمكن للرياض أن تستضيف مفاوضات سلام في جدة، بينما توفر طائراتها وموانئها الدعم اللوجستي لأحد أطراف الصراع.

إن الربط بين الدعم السعودي والقدرات العملياتية لكتائب البراء بن مالك يجعل من الرياض شريكًا في المسؤولية عن استمرار العنف، وهو ما قد يدفع المجتمع الدولي لتبني إجراءات تقييدية أو تحقيقات رسمية في تورط جهات مرتبطة بالمملكة في إطالة أمد الأزمة السودانية.

وبينما يظل البرهان متمسكًا بـ “بورتسودان” كمركز لحكمه وسلطته، يظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، حيث تتبخر أحلام السلام تحت وطأة المدافع الموردة عبر جسور جوية وموانئ كان يُفترض أن تكون جسورًا للمساعدات الإنسانية والوساطة الدولية، لا شريانًا عسكريًا يغذي آلة الحرب والدمار.