لم يكن تراجع نفوذ تيار الإخوان في تونس مجرد انعكاس لتحولات سياسية عادية، بل كان انهيارًا دراماتيكيًا لمنظومة حكم استندت لسنوات على خطاب “الشراكة الديمقراطية”، بينما كانت في جوهرها تسعى للتمكين وتغليب الأجندات الحزبية على مصلحة الدولة الوطنية، واليوم، وبعد أن فقدت الجماعة أدواتها في البرلمان والحكومة، بدأت في تبني استراتيجية “المظلومية السياسية” كحبل نجاة أخير في محاولة لاستعادة الحشد والضغط، وهو تحول كشف بوضوح عن افتقار هذه الجماعات لأي مشروع وطني بديل يتجاوز حدود الحفاظ على مكتسباتهم التنظيمية الضيقة.
إن الفجوة التي اتسعت بين تيار الإخوان والشارع التونسي لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة سنوات من السياسات التي أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وتغلغل الولاءات الحزبية في مفاصل الدولة، ومع تضاؤل قدرتهم على التأثير السياسي، عمدت قيادات الجماعة إلى نقل المعركة نحو الفضاء الرقمي والإعلامي، مستخدمين شعارات “الاضطهاد” وتصوير الدولة التونسية كطرف “منحاز”، في محاولة مكشوفة لتأليب الرأي العام ضد المؤسسات السيادية التي تقف اليوم سدًا منيعًا أمام مخططاتهم الرامية لإحداث حالة من الفوضى والتشكيك في شرعية الدولة ومؤسساتها.
خطاب “المظلومية”: حيلة الجماعة لاستعادة النفوذ المفقود
تعتمد جماعات الإسلام السياسي تاريخيًا على استراتيجية متكررة تقوم على التشكيك في نزاهة مؤسسات الدولة فور فقدانها للسيطرة أو تراجع قدرتها على التوجيه، ففي الحالة التونسية، انتقل خطاب الإخوان من ادعاءات “الإصلاح” و”الشرعية” إلى تصوير أنفسهم كضحايا سياسيين لمسار الإصلاح الذي شهدته البلاد بعد يوليو 2021، وهي مقاربة تهدف إلى إعادة تعبئة القواعد الشعبية المحبطة عبر استدرار العاطفة بدلاً من تقديم حلول واقعية لأزمات البلاد الحقيقية التي تسببت فيها سنوات حكمهم، مما يؤكد أن الجماعة تضع بقاءها التنظيمي فوق استقرار المجتمع.
لم يعد هذا الخطاب يلقى قبولاً في الشارع التونسي الذي بات يربط بشكل مباشر بين سنوات هيمنة الإخوان على البرلمان وبين حالة الانقسام المجتمعي وتصاعد النفوذ المتطرف في بعض الفترات، حيث أدرك المواطنون أن خطاب المظلومية ليس سوى وسيلة للهروب من المحاسبة والمسؤولية عما آلت إليه الأوضاع، وبدلاً من الاعتراف بالأخطاء التاريخية، تختار الجماعة المضي قدمًا في سياسة التصعيد والتحريض، وهو سلوك يعكس عجزهم عن فهم طبيعة الدولة الوطنية التونسية التي أصبحت اليوم أكثر وعيًا بمخططات الاستقطاب التي تستهدف وحدتها الوطنية.
استهداف المؤسسات السيادية: معركة الوعي ضد التضليل
تعد المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، الهدف الأول في حملات التشكيك التي يقودها تيار الإخوان في تونس، حيث تحاول هذه الأطراف ضرب ثقة المواطنين في المؤسسات التي ما تزال تتمتع بأعلى درجات المصداقية لدى الرأي العام، فكلما تراجعت القدرة على الحشد السياسي في الشوارع، اتجهت الجماعة نحو ترويج روايات تستهدف النزاهة والولاء الوطني لهذه المؤسسات، في محاولة لضرب الرابط العميق بين التونسيين ودولتهم، وهو ما يمثل أخطر جوانب المعركة النفسية التي تشنها الجماعة اليوم.
هذه الحملات الإعلامية الممنهجة تعتمد على نشر الإشاعات وتوظيف المنصات الرقمية لخلق حالة من البلبلة، لكنها تصطدم بواقع ميداني صلب، فالمؤسسات الأمنية والعسكرية التونسية أثبتت من خلال مواجهتها للإرهاب وحماية الحدود أنها مؤسسات جمهورية لا تلتفت للتجاذبات الحزبية، وهذا الثبات المؤسساتي أفشل الجزء الأكبر من رهانات الجماعة التي كانت تعول على حدوث صدامات داخلية أو تفكك في هياكل الدولة، مما يثبت أن إرادة بناء الدولة في تونس أقوى بكثير من محاولات التفكيك التي تديرها أطراف مؤدلجة لا ترى في تونس سوى أداة لمشروعها الخاص.
سيناريوهات الفشل: لماذا يرفض الشارع العودة للوراء؟
تدرك قيادات الإخوان في تونس أن المسار الذي سلكوه منذ سنوات أدى إلى عزلة سياسية وشعبية غير مسبوقة، ومع ذلك، ترفض الجماعة مراجعة مواقفها أو الاعتراف بالواقع الجديد، مستمرة في تبني خطاب تصعيدي يستثمر في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يراه المراقبون محاولة يائسة لاستدراج البلاد نحو دوامة من الفوضى، خاصة مع دعوات بعض الشخصيات المحسوبة على الجماعة للنزول إلى الشارع ومحاولة إشعال فتيل احتجاجات لا تهدف إلا لخلط الأوراق.
إن الرهان على “الشارع” للعودة إلى الحكم لم يعد ممكنًا كما كان في السابق، فالمزاج العام التونسي أصبح اليوم أكثر ميلاً للاستقرار ومحاسبة الماضي، وأي محاولة من طرف الإخوان لتقديم أنفسهم كمنقذين يتم التشكيك فيها فورًا بالنظر إلى سجلهم الحافل بالوعود التي لم تتحقق، ومن ثم، فإن “سلاح المظلومية” الذي يحاولون استخدامه، قد انقلب إلى أداة تكشف عقم رؤيتهم السياسية.
حيث يفضل التونسيون اليوم دعم مسار الدولة الوطنية على الانجرار خلف وعود إخوانية ثبت بالتجربة العملية أنها لا تخدم إلا مصالح القلة على حساب طموحات الأغلبية في التنمية والكرامةو إن سقوط النفوذ الإخواني في تونس يمثل نهاية مرحلة اتسمت بالاستقطاب والارتهان لأجندات خارجية، وما نراه اليوم من تصعيد هو مجرد صدى أخير لتنظيم فقد بوصلته السياسية وبدأ يعيش حالة من الإنكار للواقع، فالشعب التونسي الذي ناضل طويلاً من أجل استعادة سيادة دولته ومؤسساتها، ليس مستعدًا للتخلي عن مكتسبات الاستقرار والوحدة الوطنية لمصلحة جماعة لم يعد لديها ما تقدمه غير خطابات المظلومية والتحريض ضد كل ما يمثل جوهر الهوية التونسية المستقلة.

