تميزت فترة صياغة الدستور التونسي السابق، والمعروف إعلاميًا بدستور 2014، بفرض حالة من الهيمنة الفكرية والحركية من قبل حركة النهضة الإخوانية وحلفائها عبر استغلال الأغلبية البرلمانية لتمرير بنود فضفاضة تسمح بتعطيل مراكز القرار الأساسية وتشتيت الصلاحيات التنفيذية بين قصر قرطاج والقصبة وباردو.
ولم يكن هذا التشتيت الدستوري الممنهج ناتجًا عن سوء تقدير سياسي، بل كان معتمدًا لإنشاء بيئة إدارية رخوة تغيب فيها الرقابة المركزية الصارمة ويسهل من خلالها تمرير الصفقات السياسية المشبوهة بعيدًا عن مبدأ المحاسبة الوطنية؛ حيث نجحت الجماعة تحت غطاء هذا الدستور الهش في صياغة قوانين وتشريعات استثنائية سمحت بمنح تعويضات مالية مليارية لمن أسمتهم “ضحايا الاستبداد” من منتسبيها، وهي التعويضات التي ضُخت من خزينة الدولة المنهكة أصلاً لتأمين ولاءات القواعد الحركية وبناء شبكات نفوذ مالي واقتصادي موازٍ يتحكم في مفاصل الأسواق التونسية.
وتكشف التحقيقات القضائية والملفات الاستقصائية التي تُفتح تباعًا في تونس كيف تحولت الوظيفة العمومية والمؤسسات السيادية طوال العقد الماضي إلى غنائم سياسية جرى توزيعها عبر آليات “التمكين” وإغراق الإدارة العامة بعشرات الآلاف من التعيينات العشوائية والوظائف الوهمية المبنية على الولاء التنظيمي لا على الكفاءة المهنية، الأمر الذي تسبب في شلل تام في بنية الاقتصاد التونسي وتراجع مستويات الخدمات العامة وارتفاع معدلات التداين الخارجي.
إن هذه الأخونة المقننة للمؤسسات التونسية صُممت لضمان وجود بنية تحتية بيروقراطية تدين بالولاء الكامل للتنظيم الدولي، مما جعل الدولة التونسية طوال تلك العشرية رهينة للتجاذبات الحزبية وضغوط اللوبيات المستفيدة من استمرار التشظي المؤسسي وغياب سلطة القانون النافذة.
تحالف المرزوقي والإخوان واستراتيجية الفوضى الرقمية العابرة للحدود
مع نجاح الدولة التونسية في تضييق الخناق سياسيًا وقضائيًا وتنظيميًا على شبكات الإخوان داخل البلاد عقب إجراءات 25 يوليو الكاسحة، انتقل ثقل المؤامرة بالكامل إلى منصات الخارج عبر تحالف مشبوه يجمع حركة النهضة بالرئيس الأسبق المنصف المرزوقي المقيم في فرنسا؛ حيث يعمد هذا المعسكر المهزوم إلى شن حرب نفسية وإعلامية موجهة ضد مسار المحاسبة الذي يقوده الرئيس قيس سعيد.
ولم يتردد المرزوقي، الذي صدرت بحقه أحكام قضائية غيابية صارمة بالسجن بتهم تتعلق بمحاولة تغيير هيئة الحكم وإثارة الفوضى، في استغلال صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك” لبث تسجيلات مرئية وتدوينات تحريضية تدعو علانية للعصيان المدني والانقلاب على مؤسسات الدولة الرسمية تحت مسمى “سيناريو البوعزيزي 2″، مستهدفًا إشعال فتنة جهوية ومجتمعية بتركيز دعواته الشاذة على مدن الجنوب مثل قابس وصفاقس وقفصة.
إن هذا التحريض الصريح والعلني لا ينطلق من حرص المرزوقي على دولة القانون والمؤسسات كما يزعم في خطاباته المتناقضة، بل يندرج ضمن أوراق الضغط الأخيرة التي تحركها قيادة الإخوان في المنفى لإعادة إنتاج الفوضى في الشارع التونسي ومحاولة ابتزاز السلطة القضائية الحالية؛ وتجلى هذا السلوك الابتزازي بوضوح عندما تقدم المرزوقي بشكاوى كيدية أمام مؤسسات أممية تضمنت قائمة سوداء بأسماء خمسة وأربعين قاضيًا تونسيًا ممن يتولون ملاحقة قيادات حركة النهضة في قضايا الإرهاب والجهاز السري والاغتيالات السياسية.
وتهدف هذه التحركات الملتوية إلى تدويل الملف التونسي وصناعة مظلومية زائفة تستدعي التدخلات الخارجية، بعد أن أيقن التنظيم وحلفاؤه أنهم تعرضوا لعملية نبذ شعبي كامل وانهيار سياسي أخلاقي جعل من المستحيل عليهم استقطاب التونسيين الذين ذاقوا مرارة حكمهم طوال عقد من الإفلاس الاقتصادي والاجتماعي.
الصمود الوطني وتفكيك جيوب المنظومة الإخوانية البائدة
في مقابل هذا التكالب التحريضي المدفوع بأجندات عابرة للحدود، تقف الدولة التونسية بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية كجدار صد منيع يتحطم أمامه وهم العودة إلى مربع المحاصصة الإخوانية السابقة؛ وقد جاء تأكيد الرئيس قيس سعيد الحاسم بأن “تونس لن تكون لقمة سائغة لأي كان يحاول استهدافها بشتى الطرق من الداخل أو الخارج” ليعكس حجم اليقظة الرسمية والمتابعة اللحظية المستمرة لأمن البلاد على مدار الساعة بالتنسيق مع رئاسة الحكومة في قصر قرطاج.
وتتحرك الأجهزة القضائية اليوم بجرأة وثبات لوضع حد نهائي لمعضلة الاختراقات السابقة، متمسكة بسيادة القانون ومواصلة محاكمة المتورطين في جرائم التسفير والتخابر المالي دون الرضوخ للتهديدات الخارجية أو الابتزاز الحقوقي الزائف الذي تمارسه الدوائر المرتبطة بالجماعة.
ويبقى التساؤل في الشارع التونسي متمثلاً في كيفية تحصين البناء الدستوري الحالي لضمان عدم تكرار خديعة التشريعات المسيسة التي عانت منها البلاد؛ إذ يجمع خبراء القانون على أن سحب أي مشروعية أو غطاء عن مخلفات عشرية حكم النهضة وتطهير الإدارة من التعيينات المشبوهة يمثل البوابة الحقيقية والوحيدة لتحقيق أي استقرار اقتصادي أو جذب للاستثمارات الخارجية.
إن وعي المواطن التونسي بحجم الجرائم والخراب التشريعي الذي خلفه “دستور الثورة الزائف” بات يشكل الضمانة الأساسية لإجهاض محاولات تأجيج الأوضاع، لتمضي تونس بخطى واثقة نحو بناء دولة وطنية حقيقية ترتكز على السيادة الكاملة والعدالة الناجزة وتطهير المقدرات الوطنية من شبكات الفساد الحركي.

