بينما يتطلع اللبنانيون بآمال حذرة نحو العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تُجرى مفاوضات مصيرية تهدف لإنهاء معاناة بلد مزقته الأزمات، يبرز حزب الله كعائق صلب يرفض أي مسار لا يمر عبر “صندوق بريده” السياسي والعسكري، محولاً سيادة الدولة إلى مجرد ورقة مقايضة فوق طاولة المفاوضات الإيرانية الدولية.
إن المشهد اللبناني في عام 2026 يواجه حقيقة مرة، وهي أن حزب الله لم يعد يكتفي بدور “المقاوم” الذي يدعيه، بل تحول إلى سلطة “أمر واقع” تشن حربًا استباقية على الدبلوماسية اللبنانية الرسمية، معتبرًا أن أي استقرار حقيقي للبنان يمثل تهديدًا وجوديًا لمنطق المليشيا التي تتغذى على الحروب المستدامة والفوضى العابرة للحدود.
هجوم استباقي على الدبلوماسية
حيث سجلت الأسابيع الأخيرة سلسلة من “جرائم التعطيل” التي مارسها حزب الله ضد الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، حيث عمدت الماكينة الإعلامية والسياسية للحزب إلى تخوين كل من ينادي بضرورة الالتزام بالقرارات الدولية التي تضمن سيادة الدولة على كامل أراضيها، مما خلق حالة من الشلل السياسي المتعمد.
هذا الهجوم الاستباقي يهدف بالأساس إلى إرسال رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن مفاتيح الحرب والسلم ليست بيد الحكومة اللبنانية في السراي الكبير، بل في الضاحية الجنوبية، وهو ما يقوض مكانة لبنان الدولية ويجعله دولة “فاشلة” في نظر القانون الدولي، غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها أو حماية حدودها بعيدًا عن السلاح غير الشرعي.
لبنان كساحة بريد إقليمية
تؤكد الوقائع الميدانية، أن حزب الله يربط وتيرة التصعيد على الحدود اللبنانية بتقدم أو تعثر المفاوضات التي تخوضها طهران في ملفاتها الإقليمية، مما يجعل دماء اللبنانيين وممتلكاتهم مجرد “حبر” في رسائل سياسية يتم إرسالها إلى واشنطن والغرب، دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية العليا أو الكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة.
إن استخدام الجغرافيا اللبنانية كمنصة لإطلاق التهديدات وشن العمليات العسكرية في توقيتات تخدم أجندات خارجية هو قمة “الارتهان والتبعية”، حيث تحول لبنان بفعل سياسات الحزب إلى ساحة لتصفية الحسابات، مما أدى إلى عزل بيروت عن محيطها الطبيعي وحرمانها من أي فرص جدية للتعافي الاقتصادي أو الانضمام لمسارات السلام والاستقرار الإقليمي.
جرائم الترهيب والتخوين
يمارس حزب الله منهجية منظمة لترهيب المعارضين لسياساته داخل لبنان، مستخدمًا فائض القوة العسكرية لتكميم الأفواه التي تطالب بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، حيث يتم رصد حالات متزايدة من التهديدات المباشرة وحملات التشويه التي تستهدف الشخصيات الوطنية المنخرطة في مسار مفاوضات واشنطن بهدف ثنيهم عن التمسك بمطالب السيادة.
هذا “الإرهاب الفكري والسياسي” يعمق الانقسام الوطني ويجعل من فكرة “التوافق” مستحيلة، حيث يضع الحزب نفسه فوق المحاسبة وفوق الدستور، معتبرًا أن أجندته العسكرية تعلو على القوانين الوطنية، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدستورية ودفع البلاد نحو حافة الانهيار الشامل الذي لا يخدم سوى مشاريع الهيمنة الإقليمية.
اقتصاد الحرب وتدمير المستقبل
لا تتوقف جرائم حزب الله عند البعد السياسي والأمني، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد اللبناني المتهالك، فإصرار الحزب على إبقاء لبنان في “حالة حرب” دائمة يمنع تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعطل مشاريع إعادة الإعمار، مما يفاقم من معاناة المواطنين الذين باتوا يرزحون تحت وطأة الفقر والبطالة بسبب مغامرات الحزب غير المحسوبة.
إن تعطيل المفاوضات المباشرة في واشنطن يعني حرمان لبنان من فرصة ذهبية للحصول على ضمانات أمنية وتسهيلات اقتصادية دولية كانت كفيلة ببدء مرحلة النهوض، ولكن الحزب يفضل بقاء اللبنانيين في “خندق المعاناة” طالما أن ذلك يضمن استمرار تدفق التمويل الخارجي لمليشياته وبقاء نفوذه المسيطر على مفاصل الدولة ومواردها الحيوية.
حتمية استعادة السيادة
إن استعادة الدولة اللبنانية من “قبضة الدويلة” باتت ضرورة قصوى لضمان بقاء لبنان على خارطة العالم كدولة سيدة ومستقلة، وهذا لن يتحقق إلا بفك الارتباط القسري الذي فرضه حزب الله بين مصير اللبنانيين وطموحات طهران الإقليمية، والعودة إلى منطق المؤسسات والالتزام الصارم بالقرارات الدولية التي تحمي حدود لبنان وسيادته.

