يواجه مفهوم “الدولة الوطنية” في منطقة الشرق الأوسط تحديًا وجوديًا غير مسبوق، يتمثل في تضخم نفوذ الميليشيات المسلحة التي تعمل كأدوات تنفيذية لقوى إقليمية، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، الذي تحول بمرور العقود من فصيل يدعي المقاومة إلى “جيش موازٍ” عابر للحدود، يهدف بالأساس إلى ترسيخ مشروع التوسع الإيراني على حساب سيادة الأوطان.
إن خطورة حزب الله لا تكمن فقط في ترسانته الصاروخية الضخمة، بل في نجاحه في بناء منظومة أمنية واقتصادية وسياسية متكاملة تعمل بمعزل عن قوانين الدولة اللبنانية وبأوامر مباشرة من طهران.
في هذا التقرير نسلط الضوء على الكيفية التي استغل بها الحزب الأزمات السياسية والاقتصادية لتقويض مؤسسات الدولة، محولاً لبنان وغيره من الساحات إلى منصات انطلاق لخدمة طموحات “ولي الفقيه”، وهو ما أدى في النهاية إلى عزل هذه الدول دوليًا وانهيار نسيجها الاجتماعي تحت وطأة السلاح غير الشرعي الذي لا يرى في الوطن سوى “ساحة” وفي المواطن سوى “درع بشري”.
تفكيك مؤسسات الدولة.. استراتيجية “التعطيل الممنهج” لضمان التبعية المطلقة
تعتمد استراتيجية حزب الله في تقويض السيادة على مبدأ “التعطيل الممنهج” لكافة المؤسسات الدستورية والرقابية؛ فمن خلال امتلاك “فيتو” مسلح يفرضه في كل مفصل سياسي، يضمن الحزب ألا يمر أي قرار وطني يتعارض مع الأجندة الإيرانية، هذا السلوك أدى بمرور السنوات إلى شلل كامل في عملية صناعة القرار اللبناني، حيث بات من المستحيل انتخاب رئيس للجمهورية أو تشكيل حكومة فاعلة دون الرضوخ لشروط الميليشيا ، مما جعل الدولة تبدو كـ “رهينة” سياسية في يد قوى خارجية.
إن هذا التآكل في سلطة الدولة المركزية سمح للحزب بالسيطرة على المرافق الحيوية مثل مطار بيروت والمرفأ والمعابر الحدودية البرية، لاستخدامها في عمليات لوجستية عسكرية وتهريبية تخدم شبكة “محور المقاومة” الممتدة من طهران إلى ضاحية بيروت الجنوبية، مما يضرب عرض الحائط بكافة القوانين الدولية المنظمة لسيادة الدول واستقرارها الأمني.
الانتشار العابر للحدود.. حزب الله كـ “قوة تدخل سريع” لنشر الفوضى الإقليمية
لم يعد نشاط حزب الله محصورًا في الدفاع عن الأراضي اللبنانية كما يزعم في أدبياته الإعلامية، بل تحول إلى “رأس حربة” للحرس الثوري الإيراني في صراعات المنطقة المشتعلة. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، انخرط الحزب بكل ثقله العسكري لحماية النظام السوري وتأمين “الجسر البري” الإيراني، وهو ما اعتبرته مصادر جريمة بحق السيادة السورية واللبنانية على حد سواء، حيث تم الزج بآلاف الشباب اللبناني في حرب لا تخدم مصالح وطنهم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت أصابع الحزب لتشمل تدريب الميليشيات المسلحة في العراق وتزويد جماعة الحوثي في اليمن بالخبرات التقنية والمدربين العسكريين لمهاجمة دول الجوار، هذا الدور “الوكيل” جعل من حزب الله شريكًا أساسيًا في كل النزاعات الإقليمية، مما أدى إلى جر الدول التي يتواجد فيها إلى عزلة دولية خانقة، ودفعت الشعوب العربية ثمنها دمارًا في البنى التحتية وفقدانًا للأمان والاستقرار.
اقتصاد الظل والجرائم المالية.. تجفيف منابع الدولة لإنعاش خزائن الميليشيا
لضمان استمرار مجهوده الحربي الضخم، بنى حزب الله إمبراطورية مالية موازية تعتمد بشكل كبير على “اقتصاد الظل” والأنشطة غير المشروعة العابرة للقارات.
وتقوم هذه الإمبراطورية على شبكات معقدة تشمل غسل الأموال، وتجارة الممنوعات، والسيطرة على الأسواق السوداء للصرف والوقود والسلع الأساسية.
إن هذا النشاط الاقتصادي الموازي يساهم بشكل مباشر في إضعاف العملة الوطنية واحتياطيات المصارف المركزية، حيث يتم سحب العملات الصعبة لتمويل المجهود الحربي والرواتب الضخمة لعناصر الحزب، بينما يعاني بقية الشعب من الفقر والانهيار المعيشي، والأخطر من ذلك هو استخدام هذه الأموال لإنشاء شبكات رعاية اجتماعية وتعليمية تكرس الانقسام المجتمعي وتزرع “الولاء المزدوج” لدى جيل كامل، حيث يتم عزل بيئة الحزب عن الدولة ومؤسساتها، مما يخلق شرخًا اجتماعيًا يصعب التئامه ويحول دون قيام هوية وطنية جامعة قادرة على مواجهة التحديات.
ثمن “التبعية المطلقة”.. كيف يدفع المدنيون ضريبة مغامرات حزب الله العسكرية؟
ويبقى المواطن المدني هو الضحية الحقيقية لسياسات حزب الله التي تضع مصلحة طهران فوق مصلحة بيروت؛ فبسبب رهنه لقرار الحرب والسلم بيد القوى الإقليمية، تعرض لبنان والعديد من الساحات لعقوبات دولية قاسية أدت إلى شلل اقتصادي وهروب للاستثمارات.
إن تحويل الأحياء السكنية والقرى المأهولة إلى مخازن للأسلحة ومنصات لإطلاق الصواريخ ، كما يحدث في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، يعرض حياة ملايين الأبرياء للخطر الداهم ويجعلهم “دروعًا بشرية” في صراعات لا قرار لهم فيها، وإن “جبهات الإسناد” أو الحروب التي يفتحها الحزب دون توافق وطني أو غطاء شرعي من الدولة، لا تجلب سوى الدمار والنزوح والفقر، مما يعزز القناعة بأن وجود ميليشيا مسلحة خارج إطار الدولة هو العائق الأكبر أمام تحقيق التنمية، وهو الجريمة الكبرى التي ترتكب يوميًا بحق مفهوم السيادة والكرامة الإنسانية للأفراد الذين يجدون أنفسهم وقودًا لمشاريع أيديولوجية غريبة عن واقعهم وطموحاتهم.

