بينما يصارع آلاف اليمنيين من مرضى السرطان أوجاعهم في مراكز الأورام المتهالكة، تبرز إلى السطح جريمة مكتملة الأركان تتجاوز حدود الإهمال الطبي لتصل إلى مصاف “جرائم الحرب” الممنهجة.
حيث كشفت تقارير ميدانية مسربة عن محاولات حوثية مكثفة للإفراج عن شحنات ضخمة من المحاليل الطبية الملوثة بكتيريًا وغير المطابقة للمواصفات، تمهيدًا لتوزيعها في المستشفيات الحكومية والخاصة الواقعة تحت سيطرتهم، هذه الخطوة لا تمثل مجرد فساد مالي فحسب، بل هي عملية اغتيال جماعية لمرضى لا يملكون ترف الوقت أو المناعة لمقاومة سموم يتم تسويقها لهم على أنها “جرعات حياة”.
إن المشهد الصحي في صنعاء والمحافظات الخاضعة للمليشيا في عام 2026 بات يرزح تحت وطأة “اقتصاد الموت”، حيث تسيطر قيادات حوثية نافذة على قطاع استيراد الأدوية.
وتتعمد تعطيل المؤسسات الرقابية والدوائية للسماح بمرور شحنات مهربة أو منتهية الصلاحية، وما محاولة تمرير شحنة المحاليل الأخيرة إلا حلقة في سلسلة طويلة من الجرائم التي بدأت بفاجعة أطفال اللوكيميا ولم تنتهِ عند حرمان مرضى الفشل الكلوي من مستلزماتهم الأساسية، في استغلال بشع للأزمة الإنسانية لتحويل الألم إلى مكاسب مالية تذهب لخزائن المليشيا وحروبها العبثية.
شحنات ملوثة ووعود بالقتل
تتصاعد التحذيرات الطبية من وقوع كارثة صحية غير مسبوقة في حال نجاح المليشيات الحوثية في فرض توزيع المحاليل الطبية المشبوهة، حيث تؤكد المصادر أن هذه المحاليل تحتوي على ملوثات بكتيرية قاتلة يمكن أن تؤدي إلى فشل عضوي حاد في أجسام المرضى الذين يعانون أصلاً من ضعف حاد في الجهاز المناعي بسبب جلسات العلاج الكيميائي، هذه التحركات الحوثية قوبلت بحالة من الغضب الشعبي والمهني الواسع، وسط مطالبات عاجلة للمنظمات الدولية للتدخل الفوري ومنع تداول هذه الشحنة وإتلافها تحت رقابة محايدة، قبل أن تتحول المستشفيات إلى مشارح مفتوحة لضحايا جدد.
الخطر لا يتوقف عند جودة الدواء فحسب، بل يمتد ليشمل الطريقة التي تدار بها مراكز علاج السرطان، حيث يتم سحب الأدوية المجانية المقدمة من المنظمات الدولية وبيعها في “صيدليات خاصة” تتبع قيادات المليشيا بأسعار خيالية، مما يضطر المرضى الفقراء إلى شراء أدوية مهربة مجهولة المصدر، تفتقر لأبسط معايير التخزين والتبريد، وهو ما يفسر الارتفاع المخيف في معدلات الوفيات داخل هذه المراكز، إنها عملية “إبادة صامتة” تتم تحت غطاء طبي، حيث يُباع الموت لليمنيين بأسعار باهظة في ظل غياب كامل للرقابة أو الضمير الإنساني.
انهيار المنظومة الصحية الممنهج
لم يكن وصول القطاع الصحي في اليمن إلى هذه الحالة من الهشاشة وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية حوثية مدروسة تهدف إلى تدمير المستشفيات الحكومية لصالح استثمارات طبية خاصة يملكها “أمراء الحرب” التابعون للمليشيا.
فمن خلال قطع الميزانيات التشغيلية للمستشفيات العامة وتطفيش الكوادر الطبية المتخصصة، نجحت المليشيا في تحويل الرعاية الصحية إلى سلعة لمن يملك المال فقط، بينما يترك البسطاء لمواجهة مصيرهم المحتوم في مراكز تفتقر لأبسط الأدوات الجراحية أو مواد التخدير الأساسية.
هذا الانهيار الممنهج يخدم أجندة الحوثيين في ابتزاز المجتمع الدولي، حيث يتم المتاجرة بالصور المأساوية للمرضى للحصول على تمويلات ومنح دوائية ضخمة، وما إن تصل هذه المساعدات حتى يتم تحويل مسارها لتغذية “المجهود الحربي” أو توزيعها على المستشفيات الميدانية للمليشيا، تاركة آلاف المرضى المدنيين في مواجهة مباشرة مع الموت.
إن التلاعب بمخصصات أدوية الأمراض المزمنة يمثل ذروة السقوط الأخلاقي لمليشيا لا ترى في اليمنيين سوى وقود لحربها أو أرقامًا تزيد من حجم المساعدات التي يمكن نهبها.
أطفال السرطان والوجع المزدوج
تعد شريحة الأطفال المصابين بالسرطان هي الأكثر تضررًا من هذه الجرائم الطبية، فالتجارب السابقة أثبتت أن المليشيات الحوثية لا تتورع عن استخدام أدوية مهربة وغير مفحوصة في علاج الأطفال؛ مما أدى في حالات موثقة إلى وفيات جماعية مفاجئة، واليوم مع محاولات تمرير شحنة المحاليل الملوثة، تعيش العائلات اليمنية حالة من الرعب الحقيقي، فالمستشفيات التي يجب أن تكون ملاذاً آمناً للشفاء، باتت بؤرًا للخوف والعدوى القاتلة بسبب انعدام التعقيم وتلوث الأدوات الطبية الأساسية.
إن جريمة المتاجرة بأرواح هؤلاء الأطفال تمثل وصمة عار في جبين الإنسانية، حيث يُحرم الطفل من حقه في جرعة دواء آمنة لأن قياديًا حوثيًا قرر توفير تكاليف الاستيراد القانوني واللجوء إلى بضائع مغشوشة تدر عليه الملايين، هذا الاستهتار بالحياة البشرية يستوجب ملاحقة جنائية دولية لقيادات المليشيا المتورطة في القطاع الصحي، فلا يمكن السكوت عن تحويل “بروتوكولات العلاج” إلى “بروتوكولات قتل” تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع اليمني المنهك من الحروب والأوبئة.
حتمية الرقابة الدولية والإنقاذ
أمام هذا التغول الحوثي في دماء المرضى، بات من الضروري على منظمة الصحة العالمية والمنظمات الإنسانية تجاوز دور “المراقب الصامت” والبدء في إجراءات صارمة لضمان وصول الدواء لمستحقيه بعيدًا عن أيدي المليشيا، إن إنشاء آلية رقابة دولية مباشرة على مخازن الأدوية وتوزيعها هو الحل الوحيد لكسر احتكار “تجار الموت” التابعين للحوثي، وضمان عدم تكرار مآسي الأدوية الملوثة التي تهدد بإبادة جماعية لمرضى السرطان في كافة المناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلاب.
ويبقى الرهان على الوعي المجتمعي والمهني للأطباء والناشطين في كشف هذه الجرائم وفضح خفايا الاستثمار الحوثي في الألم، فاليمن في عام 2026 لا يمكن أن يحتمل مزيدًا من الكوارث الإنسانية المفتعلة، واستعادة القطاع الصحي من براثن المليشيا هي الخطوة الأولى نحو حماية حق اليمني في الحياة، بعيدًا عن صفقات السموم والمحاليل القاتلة التي باتت السلاح الأبشع في يد الحوثيين لتدمير ما تبقى من روح في هذا الوطن المكلوم.

