في الوقت الذي تمر فيه الأزمة اليمنية بمرحلة بالغة الحساسية، تبرز ظاهرة “صناعة الفتنة الرقمية” كأحد أخطر العوائق التي تعترض طريق استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، حيث يلاحظ المراقبون تحولاً جذريًا في بوصلة حزب الإصلاح “إخوان اليمن” التي باتت تشير نحو “الخصومات الجانبية” بدلاً من التوجه نحو العاصمة المختطفة صنعاء، هذه المعارك الرقمية التي تُدار عبر جيوش إلكترونية منظمة، تعمل بشكل ممنهج على استبدال هدف مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية بخصومة الشركاء الفاعلين في الميدان، مما يخلق حالة من “التشويش الاستراتيجي” الذي لا يخدم سوى بقاء المليشيا الحوثية واستمرار جرائمها.
إن هذا الانحراف المتعمد في مسار الصراع يعكس رغبة في الهروب من استحقاقات الميدان الباردة نحو ضجيج المنصات الافتراضية، وهو ما يمنح الحوثيين فرصة ذهبية لترسيخ سيطرتهم بعيدًا عن ضغط جبهة موحدة، ويحول دون رصد وتوثيق الجرائم الحوثية المستمرة بحق المدنيين نتيجة انشغال الرأي العام بمعارك وهمية لا تخدم القضية الوطنية اليمنية.
رصد جرائم الحوثي باليمن.. انتهاكات تتوسع في ظل غياب الرقابة الوطنية
بينما تنشغل الماكينة الإعلامية الإخوانية بصناعة أعداء وهميين داخل معسكر الشرعية، تستمر مليشيا الحوثي في ارتكاب أبشع الجرائم التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، حيث تشهد المناطق الخاضعة لسيطرتها عمليات قمع ممنهجة تشمل الاعتقالات القسرية، وتجنيد الأطفال، وزراعة الألغام بشكل عشوائي في القرى والمزارع، بالإضافة إلى الحصار الخانق المفروض على مدينة تعز والذي دخل عامه الحادي عشر دون تحرك جاد.
إن الجرائم الحوثية باليمن لم تتوقف عند التنكيل بالخصوم السياسيين، بل امتدت لتشمل تدمير النسيج الاجتماعي عبر فرض “المراكز الصيفية” الطائفية وتغيير المناهج الدراسية لغرس أفكار دخيلة، وهذه الانتهاكات الجسيمة تتطلب توحيد كافة الجهود الإعلامية والميدانية لفضحها أمام المجتمع الدولي، إلا أن استراتيجية “حرف البوصلة” التي ينتهجها الإخوان تساهم في تخفيف الضغط الدولي على الحوثيين، حيث يتم استنزاف طاقات الوعي الشعبي في سجالات بينية تافهة تترك المليشيا تعبث بمصير ملايين اليمنيين دون رادع حقيقي.
هندسة التضليل الإخواني.. كيف تُدار الغرف السوداء لصرف الأنظار عن صنعاء؟
تعتمد جماعة الإخوان في اليمن على ترسانة ضخمة من الحسابات الوهمية والمؤثرين الموجهين لإثارة قضايا هامشية كلما اقتربت اللحظة من مواجهة حقيقية مع الحوثيين، ويتم استخدام تقنيات “الإلهاء الرقمي” لتوجيه الغضب الشعبي نحو شركاء الميدان من القوات الوطنية والتحالف العربي، في محاولة بائسة لتغطية الفشل العسكري والجمود الذي تعاني منه الجبهات الخاضعة لسيطرتهم، هذه الغرف السوداء تقوم بصناعة “تريندات” زائفة تهدف إلى شيطنة الحلفاء وتصويرهم كخصوم، بينما يغيب الخطاب الهجومي ضد المليشيا الحوثية تدريجيًا من منصاتهم.
إن هذا التبادل الضمني للأدوار يظهر بوضوح كيف يتم استبدال “تحرير الأرض” بـ “صناعة الأزمة”؛ مما أدى إلى برودة الجبهات العسكرية في مأرب وغيرها، وتحول “النضال” إلى تغريدات ومنشورات تحريضية تمزق الصف الجمهوري وتمنح الحوثي الأمان الكافي لاستكمال مشروعه الطائفي في المناطق الشمالية، وهو ما يعد خيانة صريحة لأهداف الثورة والجمهورية وتضحيات الشهداء الذين سقطوا في ميادين الشرف.
تبادل المصالح بين التعنت الإخواني وبقاء السيطرة الحوثية
يرى محللون سياسيون، أن هناك تقاطعًا في المصالح بين بقاء الحوثي مسيطرًا على صنعاء وبين استمرار الإخوان في افتعال المعارك الجانبية، حيث يخشى الإخوان من أن يؤدي الحسم العسكري الحقيقي إلى فقدانهم لمكاسبهم السياسية والمالية التي راكموها خلال سنوات الحرب، لذا يفضلون الحفاظ على حالة “لا حرب ولا سلم” عبر إشغال الداخل اليمني بصراعات ثانوية في المحافظات المحررة مثل عدن وشبوة وحضرموت.
هذا التعنت الإخواني يوفر للحوثي “غطاءً سياسيًا” غير مباشر، فبينما يتمزق معسكر الخصوم بفعل الفتنة الرقمية، ينفرد الحوثي بالقرار العسكري والاقتصادي، مستمرًا في نهب ثروات البلاد وفرض الجبايات القسرية على التجار والمواطنين، إن استبدال مواجهة العدو بخصومة الشريك هو الوصفة المثالية لإطالة أمد المعاناة اليمنية، وهو ما يفسر لماذا لم تحقق الجبهات التي يديرها الإخوان أي تقدم ملموس نحو صنعاء منذ سنوات، مكتفين بالضجيج الإلكتروني الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في معادلة التحرير.
مستقبل المواجهة وضرورة تصحيح مسار الوعي الوطني
إن الخروج من مأزق “الفتنة الرقمية” يتطلب وعيًا جمعيًا يدرك أن العدو الوحيد لليمنيين هو المشروع الحوثي الإيراني، ويجب على القوى الوطنية والشباب اليمني التوقف عن الانجرار وراء الحملات المشبوهة التي يمولها الإخوان لإضعاف شركاء الميدان، إن تصحيح البوصلة نحو صنعاء يبدأ من خلال تعرية الماكينة الإعلامية التي تستهدف الحلفاء، والتركيز على رصد وتوثيق جرائم الحوثي باليمن بشكل احترافي يضمن تقديم مرتكبيها للعدالة الدولية.
وقالت مصادر، إنه لا يمكن تحقيق النصر طالما بقيت “جيوش الفيسبوك” الإخوانية تطعن في ظهر المقاتلين الصامدين في الجبهات، إن المسؤولية التاريخية تقتضي توحيد الكلمة والهدف، ونبذ السجالات الجانبية التي لا تخدم سوى طهران وأدواتها، فاليمن لم يعد يحتمل المزيد من المناورات السياسية على حساب دماء أبنائه، وحان الوقت ليكون رغيف الخبز والحرية والكرامة هي الأولوية، بدلاً من الصراعات الرقمية الزائفة التي أضاعت طريق العاصمة في رمال المصالح الحزبية الضيقة.

