ذات صلة

جمع

جنوب لبنان يدفع الثمن.. كيف حولت عمليات حزب الله القرى الحدودية إلى مدن أشباح؟

يواجه لبنان اليوم، وتحديدًا في جنوبه الصامد، واحدة من...

مسار التهدئة يطرق أبواب الصراع.. تفاصيل هدنة مؤقتة تمهد لاتفاق نووي جديد

تشهد الأزمة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة تحركًا دبلوماسيًا...

ضربة أمنية موجعة لطهران.. اغتيال رئيس استخبارات الحرس الثوري

في تطور أمني لافت يعكس تصاعد حدة المواجهة غير...

ما وراء “جي بي إس”.. كيف طورت أوكرانيا سلاحًا لا يقهر أمام الحرب الإلكترونية الروسية؟

بعد مرور أربع سنوات من “أعنف” حروب المسيرات التي شهدها التاريخ الحديث، لم يعد الصراع في أوكرانيا مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين، بل تحول إلى سباق تسلح تكنولوجي فائق السرعة أعاد تعريف مفهوم القوة العسكرية في العصر الحديث.

ومع بداية العملية العسكرية الروسية، واجهت القوات الأوكرانية تحديًا وجوديًا يتمثل في التفوق الروسي الهائل في مجال الحرب الإلكترونية، حيث نجحت منظومات التشويش الروسية في تعطيل معظم الأسلحة الغربية المعتمدة على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

هذا الواقع الصعب دفع صناعة الدفاع الأوكرانية إلى تحول دراماتيكي، من الاعتماد على القدرات المحدودة والإرث السوفياتي القديم إلى الريادة العالمية في ابتكار بدائل تكنولوجية متطورة ومنخفضة التكلفة، قادرة على العمل بكفاءة تامة في بيئات مشوشة إلكترونيًا، وهو ما جعل أوكرانيا اليوم مختبرًا عالميًا يكتب دستور الحروب المستقبلية.

ثورة الأنظمة غير المأهولة: السيطرة عبر “الرؤية الأولى” والذكاء الاصطناعي

حققت أوكرانيا قفزة هائلة في مجال الأنظمة غير المأهولة، حيث باتت الطائرات المسيرة مسؤولة عن تنفيذ ما يتراوح بين 80% إلى 85% من جميع الضربات الأمامية بحلول أوائل عام 2026، متفوقة بذلك على المدفعية التقليدية في الدقة والكفاءة.

السر في هذا النجاح يكمن في تطوير مسيرات “FPV” “الرؤية من منظور الشخص الأول” التي تعمل بأنظمة ملاحة مستقلة لا تعتمد على الأقمار الصناعية، بل تعتمد على تقنيات “التعرف البصري” المدمجة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والانقضاض عليها حتى في حالة فقدان الاتصال بالمشغل.

هذه المسيرات، التي لا تتجاوز تكلفتها 2000 دولار، أصبحت قادرة على تدمير دبابات ومنظومات دفاع جوي تقدر قيمتها بعشرات الملايين، مما خلق حالة من الردع التكنولوجي الذي جعل الترسانة الروسية التقليدية تبدو وكأنها تنتمي إلى حقبة زمنية غابرة.

تحدي التشويش الروسي: حلول الألياف الضوئية والملاحة الذاتية

أمام منظومات الحرب الإلكترونية الروسية المعقدة، ابتكر المهندسون الأوكرانيون حلولاً عبقرية تتجاوز التقنيات التقليدية، ومن أبرزها استخدام “الألياف الضوئية” للتحكم في المسيرات، وهو ما يجعلها محصنة تمامًا ضد أي نوع من التشويش الراديوي أو الإلكتروني.

كما طورت الشركات الأوكرانية، التي تجاوز عددها 200 شركة متخصصة، برامج تنسيق لأسراب الطائرات المسيرة تعتمد على خوارزميات ملاحة ذاتية تقوم بمسح التضاريس ومطابقتها بالخرائط المخزنة داخليًا دون الحاجة لإشارة “GPS”.

هذا السلاح الذي “لا يقهر” إلكترونيًا مكن أوكرانيا من ضرب أهداف استراتيجية في العمق الروسي، بما في ذلك مصافي النفط والقواعد الجوية على بعد أكثر من 1800 ميل، باستخدام صواريخ مبتكرة مثل “FP-5 Flamingo” التي تمثل ذروة الابتكار الدفاعي منخفض التكلفة.

أوكرانيا كمركز ثقل استراتيجي: بوابة أوروبا للردع المستدام

لم تعد الخبرة الأوكرانية مجرد دروس مستفادة من ميدان القتال، بل أصبحت أصلاً استراتيجيًا لا غنى عنه لأمن القارة الأوروبية بالكامل، حيث تشير صحيفة “فورين أفيرز” إلى أن أوكرانيا تمتلك اليوم أكبر جيش جاهز للقتال وأكثر الصناعات الدفاعية ابتكاراً في أوروبا.

القارة العجوز، التي عانت من نزع السلاح التدريجي والاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، تجد في الترسانة الأوكرانية فرصة ذهبية لسد فجواتها الدفاعية في مجالات المسيرات والذكاء الاصطناعي العسكري.

إن قدرة أوكرانيا الإنتاجية الدفاعية، التي تقدر بين 25 إلى 40 مليار دولار، تمثل محركًا قويًا لبناء نظام ردع أوروبي مستقل، شريطة أن تبادر الحكومات الأوروبية إلى إزالة الحواجز التنظيمية والمالية وتقديم ضمانات استثمارية لجذب رؤوس الأموال الخاصة إلى هذا القطاع الحيوي والمزدهر.