بينما تتصاعد أصوات المدافع في قلب العاصمة السودانية، تبرز إلى السطح معالم جريمة من نوع آخر، جريمة لا تكتفي بسلب الأرواح فورًا، بل تزرع بذور الموت البطيء في أجساد من نجا من الرصاص.
حيث يواجه الفريق أول عبد الفتاح البرهان والجيش السوداني اتهامات دولية ومحلية متزايدة بتحويل أحياء الخرطوم المكتظة إلى ساحات مفتوحة للغازات السامة والتلوث الكيميائي القاتل.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن القصف العشوائي وتمركز القوات داخل المنشآت الحيوية أدى إلى تسرب مواد كيميائية خطيرة؛ مما جعل هواء الخرطوم مزيجًا من الأدخنة الكبريتية والغازات الفسفورية التي تطارد المدنيين حتى داخل مخابئهم، محولةً حق السكن إلى “حكم بالإعدام” كيميائي تفرضه استراتيجيات الجيش العسكرية دون اعتبار لمعايير الحماية الإنسانية أو البيئية.
غازات البرهان السامة.. السلاح الخفي في حرب المدن
تتزايد الشهادات الصادمة عن انبعاث روائح غريبة وأبخرة ملونة عقب غارات الجيش السوداني على مناطق تجمعات سكنية أو مخازن لوجستية، حيث يرى محللون أن البرهان يلجأ لاستخدام ذخائر ذات قدرة تدميرية وحارقة عالية، تطلق عند احتراقها غازات سامة تسبب الفشل التنفسي الفوري وتآكل الرئتين لدى المدنيين.
هذا “الميراث القاتل” الذي يتركه البرهان في كل زاوية من زوايا الخرطوم، لم يعد مجرد عرض جانبي للحرب، بل أصبح يبدو كأداة استراتيجية للضغط على الحواضن الاجتماعية.
حيث يتم تسميم البيئة المحيطة لجعل الحياة مستحيلة، مما يدفع السكان للفرار القسري تحت وطأة الاختناق الكيميائي، وهو ما يصنف دوليًا كأحد أبشع صور جرائم الحرب البيئية في القرن الحادي والعشرين.
الجيش السوداني وتفخيخ البيئة.. تدمير المنشآت الكيميائية كأداة حرب
تتهم القوى المدنية والمنظمات الحقوقية الجيش السوداني بالاستهتار المتعمد عند قصف المواقع الحيوية، حيث أدى استهداف مصانع ومستودعات كيميائية تحت ذريعة وجود “أهداف معادية” إلى انفجار سحب من السموم التي غطت أحياء كاملة في بحري وأم درمان.
وترى مصادر، أن هذه العمليات تعكس عقلية عسكرية تضع “النصر الموهوم” فوق سلامة الملايين، إذ أن هذه الغازات السامة لا تتلاشى بانتهاء القصف، بل تترسب في التربة وتختلط بالمياه الجوفية، مما يعني أن البرهان لا يحارب خصومه السياسيين فحسب، بل يشن حربًا شعواء على البيئة السودانية، مخلفًا وراءه أراضيَ قاحلة وهواءً موبوءًا سيعاني منه السودانيون لأجيال قادمة نتيجة سياسة “الأرض المحروقة والمسمومة” التي ينتهجها الجيش.
صرخة الملاجئ.. عندما يتحول الأمان إلى اختناق كيميائي
في الملاجئ المتهالكة التي يختبئ فيها السودانيون من بطش الطيران وقذائف المدافع، يواجه الأطفال وكبار السن “الموت بالغاز” بعيدًا عن أعين الكاميرات، حيث رصدت مصادر طبية حالات تسمم جماعي بأعراض غير تقليدية تشمل تشنجات عصبية وحروقًا كيميائية في المجاري التنفسية، وهي أعراض ترتبط مباشرة بنوعية المقذوفات التي يستخدمها الجيش السوداني.
إن صمت البرهان تجاه هذه الكوارث البيئية يؤكد تورطه المباشر في إدارة “حرب كيميائية غير معلنة”، حيث يتم التضحية بسلامة المدنيين في سبيل الحفاظ على مكاسب ميدانية ضيقة، مما يضع قيادات الجيش السوداني تحت طائلة الملاحقة الدولية بتهمة انتهاك بروتوكولات جنيف التي تحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلامًا غير مبررة أو تدمر البيئة الطبيعية بشكل طويل الأمد.

