يواجه السودان اليوم واحدة من أحلك الفترات في تاريخه الحديث، حيث يتحول “منبر الفتنة” إلى أداة سياسية وعسكرية يستخدمها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لتثبيت أركان حكمه، حتى لو كان الثمن هو المقامرة بأرواح الملايين من السودانيين.
إن المشهد الحالي في السودان عملية “مقايضة وجودية” يقودها البرهان، مستعينًا بفلول النظام البائد وتيارات “الإخوان المسلمين” لإشعال نيران الحرب الأهلية، وضمان البقاء في الكرسي عبر استراتيجية “الأرض المحروقة” التي لم تبقِ ولم تذر، محولاً مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة طموحه الشخصي على حساب دماء الأبرياء.
“فتوى الدم” الإخوانية: الغطاء الديني لمجازر البرهان
في محاولة لشرعنة العنف المفرط وقصف الأحياء السكنية، لجأ البرهان إلى التحالف مع الجناح المتشدد من الحركة الإسلامية و”إخوان السودان”، الذين سارعوا برفع “راية التحريض” وإصدار ما يسمى بـ “فتاوى الدم”.
هذه الفتاوى لا تستهدف الخصوم العسكريين فحسب، بل تمتد لتشمل القوى المدنية وكل من ينادي بوقف الحرب، حيث يتم وصمهم بالخيانة والعمالة.
إن هذا التحالف بين العسكر والإسلامويين أعاد إنتاج خطاب الكراهية الذي ساد في عهد البشير، مما حول الصراع من نزاع سياسي يمكن حله بالحوار إلى “حرب مقدسة” في نظر المؤدلجين، وهو ما يمنح البرهان الذريعة للاستمرار في القتال ورفض كافة مبادرات السلام الدولية والإقليمية.
المقايضة الكبرى: السيادة السودانية مقابل المسيرات الإيرانية
لم يتوقف البرهان عند حد الاستعانة بالداخل، بل ذهب بعيدًا في مقايضة أرواح السودانيين عبر فتح أبواب البلاد أمام النفوذ الإيراني التخريبي، مقابل الحصول على طائرات “المسيرات” والعتاد العسكري.
طهران
إن عودة العلاقات مع طهران في هذا التوقيت الحرج تمثل طعنة في خاصرة الأمن القومي السوداني والعربي، حيث تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وموطئ قدم للمشاريع التوسعية الإيرانية، البرهان يدرك أن ثمن هذا الدعم هو تحويل الخرطوم ومدن السودان إلى مختبرات للأسلحة الإيرانية، لكنه يفضل هذا الخيار الانتحاري على التنازل عن السلطة لصالح حكومة مدنية انتقالية تعيد الاستقرار للبلاد.
تدمير النسيج الاجتماعي واستراتيجية “الجوع أو الولاء”
تتجلى أبشع صور مقايضة البرهان للسلطة في استخدامه لسياسة التجويع والحصار كأدوات للحرب، حيث يتم منع وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة، وترك السودانيين يموتون جوعًا ومرضًا تحت وطأة القصف العشوائي.
هذه الاستراتيجية تهدف إلى كسر إرادة الشعب وإجباره على قبول “الأمر الواقع” تحت شعار “الأمن مقابل الغذاء”، إن البرهان -وعبر “منبر الفتنة” الإعلامي- يحاول تصوير نفسه كحامٍ للدولة، بينما الواقع يشير إلى أنه يقود عملية تفكيك ممنهجة للنسيج الاجتماعي السوداني، عبر تأليب القبائل ضد بعضها البعض وتجنيد المدنيين في ميليشيات غير نظامية، مما يهدد بتحويل السودان إلى صومال جديد يصعب استعادة وحدته مستقبلاً.
إن الخروج من “منبر الفتنة” يتطلب وعيًا جمعيًا يرفض تحويل الدين والجيش إلى مطايا للسياسة، ويتمسك بمبادئ الثورة السودانية التي نادت بالحرية والسلام والعدالة، وإن التاريخ لن يغفر لمن جعل من جثث مواطنيه جسرًا للعبور نحو سلطة زائفة، ولن يطول الوقت حتى يدرك الجميع أن ثمن البقاء في الكرسي عبر “مقايضة الأرواح” هو ثمن لا يمكن لأي وطن أن يتحمله.
ه

