ذات صلة

جمع

خطوة هولندية تفتح الملف الأوروبي.. تحركات متسارعة لتصنيف الإخوان الإرهابية

في تطور لافت داخل المشهد السياسي الأوروبي، دفعت هولندا...

لبنان على حافة الانهاك.. نزوح واسع وتمويل يتآكل تحت وطأة الحرب

يواجه لبنان واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا، حيث تتقاطع...

صرخة بغداد.. هل تحول العراق إلى منطقة “محظورة” دوليًا بسبب الفصائل؟

تتصاعد في أزقة بغداد وساحاتها السياسية "صرخة" مكتومة، يتردد...

اختبار الثقة في دمشق.. هل تستطيع سوريا حماية العائدين من “انتقام الدولة العميقة”؟

تمر الدولة السورية بمنعطف تاريخي يضع "الجمهورية الجديدة" بقيادة...

منبر الفتنة.. كيف يقايض البرهان أرواح السودانيين بالبقاء في السلطة؟

يواجه السودان اليوم واحدة من أحلك الفترات في تاريخه...

ضحايا “الصرخة” في البيوت.. كيف فخخ الحوثيون عقول الشباب لتفجير نسيج المجتمع القبلي؟

تستيقظ المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية بشكل شبه يومي على وقع جرائم يندى لها الجبين, حيث لم تعد جبهات القتال هي الساحة الوحيدة للدماء, بل انتقلت المعركة إلى داخل البيت الواحد والغرفة الواحدة.

إن الحادثة المروعة التي شهدتها منطقة أرحب بمحافظة صنعاء مؤخرًا، والمتمثلة في مقتل مدرس تربوي على يد ابن أخته خلال حفل زفاف نجل المدرس, ليست مجرد جريمة جنائية عابرة, بل هي تجسيد حي لظاهرة “تفخيخ العقول” التي تنتهجها الجماعة الحوثية لضرب العمق الاجتماعي والقبلي لليمنيين, وتحويل الروابط الأسرية المقدسة إلى ساحات لتصفيات أيديولوجية دموية.

الدورات الثقافية: معامل صناعة “القتلة المؤدلجين”

تعتبر “الدورات الثقافية” الحوثية هي المصنع الأول الذي يتم فيه تفكيك شخصية الشاب اليمني وإعادة تركيبها وفق منهجية طائفية حادة، حيث يتم عزل الشباب عن محيطهم الأسري والاجتماعي لأسابيع طويلة، يتعرضون خلالها لعمليات غسل دماغ مكثفة تركز على مفهوم “الولاء والبراء” المطلق للجماعة.

في هذه المعامل الفكرية، يتم إقناع الشاب بأن والده أو خاله أو شقيقه، إذا لم يكن مؤيدًا للمشروع الحوثي، فهو “منافق” أو “عميل” يجب الخلاص منه، مما يجعل الرصاصة التي انطلقت في عرس أرحب هي النتيجة الطبيعية لخطاب الكراهية الذي يتم حقنه في عقول هؤلاء الشباب، الذين باتوا يقدسون “الصرخة” وشعارات الجماعة أكثر من تقديسهم لصلة الرحم والدم.

تمزيق النسيج القبلي واستبدال الأعراف بـ “الملازم”

لطالما كان المجتمع القبلي في اليمن، وخاصة في مناطق مثل أرحب وخولان وحاشد، يتميز بمنظومة أعراف وتقاليد صارمة تحمي القرابة وتجرم الغدر، إلا أن المليشيا الحوثية أدركت أن سيطرتها المطلقة لن تتحقق إلا بكسر هذه الهيبة القبلية، من هنا، عملت المليشيا بشكل ممنهج على إحلال “الملازم الحوثية” محل “الأعراف القبلية”، فأصبح الفرد لا يستمد قيمته من مكانته في القبيلة أو احترامه لكبار السن والعلماء والمدرسين، بل من مدى تنفيذه للأوامر العسكرية والأيديولوجية.

 هذه السياسة أدت إلى نشوء جيل من “المستلبين” الذين يرون في قتل القريب “قربة” إلى الله، وفي تدمير الأسرة “جهاداً”، مما يهدد بانهيار كلي للمنظومة القيمية التي حافظت على تماسك المجتمع اليمني لقرون طويلة.

استهداف النخب التعليمية: رسائل ترهيب للمجتمع

إن اختيار الضحية في حادثة أرحب كونه “مدرسًا تربويًا” يحمل دلالة رمزية خطيرة، فالمدرس هو حائط الصد الأول ضد الجهل والتطرف، واستهدافه من قبل قريب له تشبع بالفكر الحوثي يبعث برسالة ترهيب لكل الكوادر التعليمية والواعية في مناطق السيطرة. المليشيا تسعى لخلق مجتمع “أحادي التفكير” لا يقبل النقاش، وحين يقتل الطالب معلمه، أو الابن أباه، فإن ذلك يعني وصول المشروع الحوثي إلى مرحلة “التوحش الاجتماعي” الكامل، حيث يتم تفكيك الأسر من الداخل لضمان عدم وجود أي صوت يعارض التوجهات المليشياوية، وتحويل المجتمع إلى كتلة صماء تنقاد خلف شعارات الموت دون تفكير أو مراجعة أخلاقية.

مآلات “التفخيخ الفكري” على مستقبل اليمن

إن ما يحدث اليوم في بيوت صنعاء وعمران وذمار وغيرها من المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثي هو قنبلة موقوتة ستهدد استقرار اليمن والمنطقة لعقود قادمة.

 إن ضحايا “الصرخة” ليسوا فقط أولئك الذين يسقطون بالرصاص، بل هم أيضاً الجناة الذين فقدوا إنسانيتهم وتحولوا إلى أدوات قتل في يد مشروع لا يعترف بالهوية الوطنية أو الروابط الإنسانية.

إن استعادة النسيج الاجتماعي القبلي تتطلب اليوم جهدًا يفوق الجهد العسكري، إذ يحتاج المجتمع اليمني إلى مشروع تنويري وتربوي ضخم يعيد ترميم ما دمرته “الدورات الثقافية”، ويحرر عقول الشباب من أوهام “القداسة الزائفة” التي جعلت من قتل الخال في عرس ابن خاله عملاً بطوليًا في نظر المليشيا ومؤيديها.