ذات صلة

جمع

مأساة اليمن.. كيف حولت الميليشيات الحوثية حياة الأبرياء إلى جحيم مستمر؟

ما يزال اليمن يرزح تحت وطأة مأساة إنسانية وُصفت...

مستقبل السودان الغامض.. كيف تؤثر تحالفات البرهان مع “الإخوان” على فرص السلام؟

في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها السودان منذ اندلاع...

السودان في هاوية الفوضى.. كيف تسبب البرهان في أكبر كارثة إنسانية عالمية؟

يواجه السودان واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية والسياسية...

نهاية الحماية الدولية.. هل يُترك لبنان وحيدًا بمواجهة المجهول بعد انسحاب “اليونيفيل”؟

يستعد لبنان لدخول مرحلة هي الأكثر غموضًا في تاريخه المعاصر، مع إعلان قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عن موعد مغادرتها للأراضي اللبنانية بعد رحلة استمرت ثمانية وأربعين عامًا من المراقبة والانتشار على الخط الأزرق.

إن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء لوجستي أو تغييرًا في مهام بعثة دولية، بل هو زلزال جيوسياسي يضرب أسس الحماية الدولية التي كانت تشكل صمام أمان “نسبي” لمنع الانزلاق نحو مواجهات شاملة ومدمرة.

ومنذ صدور القرار 425 في عام 1978 وصولاً إلى القرار 1701 في عام 2006، كانت “اليونيفيل” تمثل شاهد العين والموثق الدولي لكل الخروقات والتوترات، ومع رحيلها، يجد لبنان نفسه وجهًا لوجه أمام استحقاقات أمنية وعسكرية كبرى في ظل انهيار اقتصادي وانقسام سياسي حاد، مما يطرح تساؤلاً وجوديًا حول قدرة الدولة اللبنانية على حماية حدودها وسيادتها بعيدًا عن المظلة الأممية التي رافقتها لنحو نصف قرن.

تاريخ من الالتزام.. كيف صاغت اليونيفيل واقع الجنوب اللبناني؟

على مدار عقود، لم تكن قوات “اليونيفيل” مجرد وحدات عسكرية أجنبية، بل تحولت إلى جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي في القرى والبلدات الجنوبية، حيث ساهمت في استقرار نسبي مكن السكان من العودة إلى أراضيهم واستصلاحها.

إن انسحاب هذه القوات اليوم يعني فقدان آلية “الارتباط والتنسيق” التي كانت تمنع سوء الفهم الميداني من التحول إلى حروب واسعة النطاق، كما أن رحيلها سيترك فراغًا لوجستيًا كبيرًا كانت تسده في دعم المؤسسات المحلية والجيش اللبناني.

يرى مراقبون، أن “اليونيفيل” كانت تشكل العازل النفسي والسياسي الذي يمنع الاحتكاك المباشر المستمر بين الأطراف المتصارعة، ومع غياب هذه السترة الدولية، ستصبح الحدود اللبنانية مكشوفة تمامًا أمام كافة الاحتمالات، بدءًا من تصاعد العمليات العسكرية وصولاً إلى تغيير قواعد الاشتباك التي استقرت لسنوات طويلة تحت الرقابة الدولية اللصيقة.

فراغ السيادة.. تحديات الجيش اللبناني في غياب الشريك الدولي

يمثل انسحاب “اليونيفيل” التحدي الأكبر للجيش اللبناني الذي كان يعتمد بشكل كبير على التنسيق والعمل المشترك مع القوات الدولية في منطقة جنوب الليطاني.

إن الدولة اللبنانية، التي تعاني من شلل مؤسساتي وأزمة مالية طاحنة، ستكون مطالبة الآن بنشر المزيد من القوات وتوفير موارد ضخمة لتأمين الحدود، وهو أمر يبدو شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة دون دعم دولي مباشر وقوي.

غياب “اليونيفيل” يعني أيضًا توقف التقارير الدورية التي كانت ترفع لمجلس الأمن حول تنفيذ القرار 1701، مما قد يؤدي إلى فقدان لبنان لمنبر دولي هام كان يعرض من خلاله الانتهاكات التي يتعرض لها.

هذا الفراغ السيادي قد تستغله أطراف عديدة لفرض وقائع ميدانية جديدة، مما يضع الجيش اللبناني في موقف لا يحسد عليه، بين مطرقة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وسندان الدفاع عن الحدود في بيئة أمنية باتت تفتقر لأي ضمانات دولية واضحة.

هل يتجه الجنوب نحو المجهول؟

تتعدد السيناريوهات حول مستقبل الجنوب اللبناني بعد رحيل القوات الدولية، وكلها تتسم بالخطورة والتعقيد؛ فالسيناريو الأول يتوقع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة دون قيود أو ضوابط دولية، مما يعني أن أي احتكاك بسيط قد يشعل فتيل صراع إقليمي واسع.

أما السيناريو الثاني، فيفترض إمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة برعاية قوى إقليمية، لكنها قد تكون على حساب السيادة اللبنانية الكاملة.

وهناك تخوف حقيقي من أن يؤدي الانسحاب إلى موجة نزوح جديدة للسكان المحليين الذين كانوا يشعرون بنوع من الأمان بوجود مراكز الأمم المتحدة بالقرب من قراهم.

إن غياب “اليونيفيل” يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير منطقة جنوب الليطاني، وهل ستبقى منطقة خالية من السلاح غير الشرعي كما ينص القرار 1701، أم أنها ستتحول إلى ثكنة كبرى في صراع الإرادات الإقليمية والدولية.

المجتمع الدولي ومسؤولية ما بعد الرحيل

إن قرار اليونيفيل بالمغادرة لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه استقرار لبنان، بل يفرض عليه ضغوطاً جديدة لإيجاد بدائل سياسية ودبلوماسية لمنع الانفجار.

يرى المحللون، أن على الأمم المتحدة والدول الكبرى تكثيف جهودها لدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية بشكل مباشر لتعويض الفراغ الأمني، وإلا فإن البديل سيكون الفوضى التي لن تقتصر آثارها على لبنان وحده بل ستمتد لتشمل أمن البحر المتوسط واستقرار المنطقة بأكملها.

إن لبنان اليوم يقف في عين العاصفة، ورحيل “القبعات الزرقاء” هو بمثابة إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى مجهولة المعالم، تتطلب حكمة سياسية غير مسبوقة من القادة اللبنانيين لتجنيب البلاد ويلات صراع قد لا تجد فيه من يوثق ضحاياه أو يطالب بوقف إطلاق النار فيه، مما يجعل السؤال عن “المجهول” سؤالاً ملحًا ومرعبًا في آن واحد.

لبنان في مواجهة قدره بلا مظلة

إن رحيل “اليونيفيل” بعد 48 عامًا يضع لبنان أمام الحقيقة المرة؛ وهي أن الضمانات الخارجية، مهما طال أمدها، تظل مؤقتة ومرتبطة بمصالح وتوازنات دولية متغيرة.

إن الدرس المستفاد من نهاية مهمة القوات الدولية هو ضرورة بناء استراتيجية دفاعية وطنية صلبة ترتكز على وحدة الصف الداخلي وقوة المؤسسات الشرعية، لأن الحماية الحقيقية تنبع من الداخل لا من الخارج.

ومع رحيل آخر جندي من قوات الأمم المتحدة، سيكتب اللبنانيون فصلاً جديدًا من تاريخهم، يأمل الجميع أن يكون فصلاً من السلام والسيادة، لا فصلاً جديدًا من الدمار والنزوح، في ظل عالم لم يعد يكترث كثيرًا بآلام الشعوب بقدر اكتراثه بمصالحه الجيوسياسية الكبرى، ليبقى لبنان وحيدًا، يصارع أمواج المجهول، في انتظار فجر جديد قد لا يأتي قريبًا.