مع مرور قرابة الألف يوم على اندلاع الصراع الدامي في السودان، لم يعد السؤال عمن أطلق الرصاصة الأولى هو الأهم، بل كيف تضافرت أجندات “النظام البائد” “الإخوان المسلمين” مع طموحات رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان لخلق مشهد كارثي أدى إلى تدمير البنية التحتية وتمزيق النسيج الاجتماعي السوداني.
المخطط والشرارة
حيث تجمع التقارير الميدانية والمحللون السياسيون على أن الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023 لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت “خيار الضرورة” لتيار الإخوان المسلمين للعودة إلى المشهد السياسي بعد أن لفظتهم ثورة ديسمبر المجيدة.
ما هو دور الحركة الإسلامية في تأجيج الصراع؟
عقب سقوط نظام عمر البشير، وجد قادة النظام السابق أنفسهم خارج حسابات السلطة، وبحسب مصادر بدأت “كتائب الظل” وقيادات الإخوان داخل مؤسسات الجيش في التغلغل لعرقلة أي اتفاق يقود إلى تحول مدني ديمقراطي، وكان الهدف واضحًا وهو إشعال حرب تخلط الأوراق وتمنع تسليم السلطة للمدنيين.
كما سبقت الحرب حملات تخوين واسعة قادها نشطاء محسوبون على النظام السابق ضد القوى المدنية و”قوات الدعم السريع” و استغل الإخوان نفوذهم التاريخي داخل الكلية الحربية وهيئة الاستخبارات لضمان ولاء الضباط المسيسين وتنفيذ أجندة الحرب.
البرهان.. الجنرال في فخ الطموح والارتهان
وقالت المصادر: إن الفريق أول عبد الفتاح البرهان لعب دورًا محوريًا في هذا المخطط، فمنذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، بدا أن البرهان يبحث عن “شرعية” تحميه من الملاحقات القانونية وتضمن له البقاء في قمة الهرم السلطوي.
لماذا تحالف البرهان مع الإخوان؟
ووجد البرهان نفسه في عزلة دولية وداخلية بعد انقلابه الفاشل، ولم يجد “ظهيراً سياسياً” منظماً ومستعداً للدفاع عنه سوى “الفلول”، في المقابل، قدم الإخوان للبرهان الغطاء السياسي عبر حشد القبائل والكيانات الموالية لهم والمقاتلين من خلال “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها من المليشيات العقائدية التي تقاتل الآن جنبًا إلى جنب مع الجيش.
هذا التحالف وضع الجيش السوداني – المؤسسة القومية في مواجهة مباشرة مع الشعب، حيث تحولت العقيدة العسكرية من حماية الحدود إلى حماية كراسي السلطة.
استراتيجية الأرض المحروقة: تدمير ممنهج للسودان
لم تكن الحرب مجرد مواجهات عسكرية، بل شهدت “ألف يوم” من التدمير الممنهج لكل مقومات الدولة السودانية حيث تعرضت الخرطوم، قلب السودان الاقتصادي، لعمليات نهب وتدمير واسعة واستُهدفت المصانع، المستشفيات، والجامعات.
تشير التقديرات إلى أن السودان فقد أكثر من 60% من ناتجه المحلي الإجمالي، مع توقف حركة الصادرات والواردات تماماً في مناطق النزاع.
وأدت خطة “البقاء عبر الحرب” إلى جعل السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم فهناك أكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ ومجاعة تلوح في الأفق، حيث تم استهداف المناطق الزراعية في الجزيرة وسنار أدى إلى انهيار الموسم الزراعي.
كيف تم تمزيق النسيج الاجتماعي؟
من أخطر ما قام به مخطط الإخوان والبرهان هو “تسييس القبيلة”، ففي سبيل حشد المقاتلين، تم اللجوء إلى خطاب الكراهية والتحريض العرقي، خاصة في دارفور وكردفان، هذا التوجه حوّل الحرب من صراع على السلطة إلى “حرب أهلية شاملة” تهدد وحدة السودان الجغرافية.
السودان إلى أين؟
بعد ألف يوم، بات من الواضح أن تحالف البرهان والإخوان لم يهدف يوماً لحماية الدولة، بل كان يهدف لاسترداد “دولة التمكين” والنتيجة هي سودان ممزق، جيش منهك، وشعب يواجه الموت جوعًا أو رصاصًا.
إن الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من السودان يبدأ بفك الارتباط بين المؤسسة العسكرية وتيارات النظام السابق والعودة للمسار المدني ومحاسبة المتورطين في إشعال شرارة الحرب والضغط الدولي الجاد لوقف تدفق السلاح ووقف الانتهاكات.

