تخيل أن يتوقف السبب المباشر الذي يسرّع ذوبان نهر جليدي ضخم، لكن الجليد يواصل التراجع لعقود طويلة رغم ذلك. هذا السيناريو يضع نهر ثويتس الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية، المعروف إعلاميًا باسم «نهر يوم القيامة»، في قلب المخاوف العلمية بشأن مستقبل المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر.
فبحسب المعطيات الواردة في التقرير، قد يستمر تراجع النهر الجليدي لمدة لا تقل عن 150 عامًا، حتى في سيناريو افتراضي تتوقف فيه تأثيرات ذوبان الجليد المرتبطة بحرارة المحيطات، وهو ما يسلط الضوء على مدى تعقيد الأنظمة الجليدية وصعوبة عكس التغيرات التي بدأت بالفعل.
ولا تتوقف أهمية القضية عند مصير نهر ثويتس وحده، إذ ترتبط حركة الجليد في غرب أنتاركتيكا بمنظومة طبيعية واسعة، وقد تؤثر التغيرات التي تحدث في أحد أجزائها في الأجزاء المحيطة بها.
وبين التحذيرات المتعلقة بارتفاع مستوى البحار والأسئلة المتزايدة حول تاريخ القارة القطبية الجنوبية، تبرز الحاجة إلى التمييز بين النتائج العلمية المثبتة والادعاءات التي انتشرت بشأن أسرار أنتاركتيكا.
نهر ثويتس الجليدي.. لماذا يُعرف باسم نهر يوم القيامة؟
يُعد نهر ثويتس الجليدي من أبرز الأنهار الجليدية التي يراقبها العلماء في غرب أنتاركتيكا، نظرًا إلى حجمه الكبير وموقعه الحساس ضمن الغطاء الجليدي للقارة.
وتكمن خطورته في أن تراجعه قد يسمح بوصول كميات أكبر من الجليد إلى المحيط، بما يسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل، فضلًا عن احتمال التأثير في استقرار الأنهار الجليدية المجاورة.
أما تسمية «نهر يوم القيامة»، فهي وصف إعلامي يعكس حجم المخاوف المرتبطة بالتغيرات التي يشهدها النهر، وليست مصطلحًا علميًا رسميًا.
ولا تعني التسمية أن انهيارًا شاملًا ووشيكًا سيحدث بالضرورة، لكنها تلفت الانتباه إلى التداعيات المحتملة لاستمرار فقدان الجليد في منطقة تُعد من المناطق المهمة لفهم مستقبل ارتفاع البحار.
وتزداد أهمية متابعة ثويتس لأن الجليد الموجود على اليابسة، عندما يفقد توازنه ويتدفق إلى المحيط، يمكن أن يضيف كميات من المياه إلى البحار.
ولهذا يدرس الباحثون التغيرات التي تطرأ على حواف الأنهار الجليدية وسرعة تدفقها وتفاعلها مع مياه المحيط، بهدف تحسين التوقعات المناخية خلال العقود المقبلة.
هل يستمر ذوبان نهر يوم القيامة لمدة 150 عامًا؟
يشير السيناريو الوارد في التقرير إلى أن تراجع نهر ثويتس قد يستمر لأكثر من قرن، حتى في حال توقف أحد العوامل التي تسهم في تسريع ذوبانه.
وتوضح هذه الفكرة أن استجابة الأنهار الجليدية للتغيرات البيئية ليست فورية بالضرورة، إذ قد تستمر العمليات التي تدفع الجليد إلى الحركة والتراجع بعد تغير الظروف التي بدأت المشكلة أو ساهمت في تفاقمها.
ومع ذلك، يجب التمييز بين استمرار تراجع نهر جليدي وبين انهياره الكامل، فهما ليسا حدثًا واحدًا، كما أن التقديرات الزمنية تتوقف على الفرضيات المستخدمة في النماذج العلمية والظروف المناخية والمحيطية المستقبلية.
لذلك لا ينبغي تفسير مدة 150 عامًا باعتبارها موعدًا مؤكدًا لانهيار النهر، بل باعتبارها تقديرًا يحتاج إلى الرجوع إلى الدراسة العلمية الأصلية لفهم نطاقه وشروطه بدقة.
وتساعد هذه النقطة في تفسير سبب استمرار الاهتمام الدولي بنهر ثويتس؛ فالتغيرات التي تحدث في الجليد القطبي قد تمتد آثارها إلى مناطق ساحلية بعيدة، حيث ترتبط مستويات البحار بمخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل الشواطئ وتأثر البنية التحتية والتجمعات السكانية.
كيف يؤثر ذوبان الجليد في ارتفاع مستوى سطح البحر؟
يرتبط ارتفاع مستوى سطح البحر بعدة عوامل، من أبرزها تمدد مياه المحيطات مع ارتفاع حرارتها، وإضافة المياه الناتجة عن ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية الموجودة فوق اليابسة.
ويكتسب نهر ثويتس أهمية خاصة بسبب موقعه ضمن الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا، حيث يمكن أن يؤدي تراجع الجليد الداعم إلى زيادة تدفق الجليد الموجود خلفه باتجاه المحيط.
ولا يعني ذلك أن ذوبان نهر ثويتس وحده سيؤدي مباشرة إلى غمر مدن بأكملها، إذ تعتمد التأثيرات الفعلية على مقدار فقدان الجليد ومعدل ارتفاع البحر والظروف المحلية، إلى جانب الإجراءات التي تتخذها الدول للتكيف مع التغيرات المناخية. لكن استمرار فقدان الجليد في القارة القطبية الجنوبية يظل عاملًا مهمًا في تقدير المخاطر الساحلية طويلة الأجل.
ولهذا يراقب العلماء الأنهار الجليدية باستخدام الأقمار الصناعية والقياسات الميدانية والنماذج الحاسوبية، بهدف فهم سرعة التغيرات وتحديد السيناريوهات الأكثر احتمالًا.
وتُستخدم النتائج في تطوير التوقعات التي تساعد الحكومات والمجتمعات الساحلية على التخطيط بصورة أفضل لمواجهة المخاطر المستقبلية.
أنتاركتيكا قبل الجليد.. كيف تغيرت القارة القطبية الجنوبية؟
لا تبدو أنتاركتيكا اليوم مكانًا مناسبًا للحياة النباتية الواسعة، لكنها لم تكن دائمًا مغطاة بالجليد بالشكل الحالي. فقد شهدت القارة خلال عصور جيولوجية بعيدة ظروفًا مناخية أكثر دفئًا، واحتوت مناطق منها على نباتات وغابات وأنظمة بيئية تختلف جذريًا عن المشهد القطبي المعروف حاليًا.
وجاءت هذه التحولات عبر ملايين السنين نتيجة تغيرات مناخية وجيولوجية معقدة، شملت تغير أنماط دوران المحيطات والغلاف الجوي وانخفاض درجات الحرارة تدريجيًا خلال مراحل مختلفة من تاريخ الأرض.
وتساعد دراسة الرواسب والحفريات والصخور على إعادة بناء هذه المراحل، وفهم الظروف التي سبقت تشكل الغطاء الجليدي الحديث.

